# إرميا ٤:٢٣ (الكتاب المقدس - ترجمة فان دايك)

> نَظَرْتُ إِلَى الأَرْضِ وَإِذَا هِيَ خَرِبَةٌ وَخَالِيَةٌ، وَإِلَى السَّمَاوَاتِ فَلاَ نُورَ لَهَا.

## ما معناها

اقرأ الآية ببطء: "نظرتُ إلى الأرض وإذا هي خربةٌ وخالية، وإلى السماوات فلا نور لها." المتكلم هنا هو إرميا نفسه، لا الله مباشرة؛ هو يصف رؤيا رآها بعينَي روحه [John Gill Bible Commentary](cite://s?id=john-gill). أول ما يلفتك: هذا ليس وصفًا لدمار عاديّ - حريق، أو هزيمة جيش. الكلمات المستخدمة هنا "خربة وخالية" هي بالضبط نفس الكلمتين اللتين وُصفت بهما الأرض في تكوين ١:٢ قبل أن يبدأ الله خلقته: "وكانت الأرض خربةً وخالية". إرميا لا يخترع تعبيرًا جديدًا؛ هو يستدعي عمدًا صورة ما قبل الخليقة [Jamieson-Fausset-Brown](cite://s?id=jamieson-fausset-brown).

فما يراه النبي هو "أرضٌ" (يقصد بها أرض يهوذا تحديدًا، لا الكرة الأرضية كلها) [John Gill Bible Commentary](cite://s?id=john-gill) تعود إلى العدم الذي كانت عليه قبل أن يقول الله "ليكن نور". والسماوات، التي كانت مصدر النور منذ اليوم الرابع للخليقة، أصبحت مظلمة. هذا انعكاسٌ كامل لترتيب سفر التكوين - كأن فيلم الخليقة يُعاد بالمقلوب.

لاحظ أيضًا الإيقاع في الأصحاح كله: "نظرتُ... وإذا" تتكرر أربع مرات في الآيات ٢٣-٢٦ (الأرض، السماوات، الجبال، الناس والطيور)، وفي كل مرة الصورة أشدّ فراغًا. هذه ليست عاصفة عابرة، بل تفكيكٌ منهجيّ للنظام الذي بناه الله.

موضع هذه الآية في سفر إرميا: نحن في أصحاح ٤، حيث يُنذر النبي يهوذا بغزو آتٍ من الشمال (نبوخذنصر لاحقًا) بسبب خيانتهم لله وعبادتهم الأوثان [Matthew Henry Bible Commentary](cite://s?id=matthew-henry). الرؤيا هنا ليست تنبؤًا فلكيًّا حرفيًّا بانطفاء الشمس، بل صورةٌ شعرية-نبوية تصف حجم الخراب الأخلاقي والسياسي الذي ستُحدثه الدينونة، بحيث يبدو الأمر وكأن الخليقة نفسها تنهار. بعض المفسرين يرون فيها أيضًا ظلالًا مستقبلية أوسع (كما تفعل نصوص مشابهة عند إشعياء وعاموس ويوئيل)، لكن مركز ثقلها هنا هو دينونة يهوذا الوشيكة.

## السياق التاريخي

إرميا كتب هذا الكلام في أواخر القرن السابع قبل الميلاد، تقريبًا بين ٦٢٦ و٥٨٦ ق.م. كان نبيًّا في مملكة يهوذا الجنوبية، في زمنٍ كانت فيه القوى الكبرى تتصارع: أشور تتهاوى، وبابل تصعد بقيادة نبوخذنصر، ومصر تحاول أن تمسك بخيوط النفوذ. يهوذا كانت أشبه بقاربٍ صغير بين سفنٍ حربية عملاقة.

في الداخل، كان الملك يوشيا قد قاد إصلاحًا دينيًّا حقيقيًّا - هدم المذابح الوثنية، وأعاد الشريعة إلى مكانها. لكن الإصلاح كان سطحيًّا عند كثيرين؛ القلوب لم تتغيّر بقدر ما تغيّرت الطقوس. وبعد موت يوشيا، انزلق الشعب سريعًا إلى نفس العادات القديمة: عبادة البعل، الظلم الاجتماعي، التحالفات السياسية بدل الاتكال على الله.

إرميا، وهو كاهنٌ من عناثوث، دُعي وهو شاب ليكون فمًا لله في هذا الزمن المضطرب، وكانت رسالته غير محبوبة إطلاقًا: يهوذا ستُدمَّر، وأورشليم ستُحرق، والهيكل نفسه لن يبقى. هذا في أصحاح ٤ تحديدًا، النبي يصف غزوًا قادمًا "من الشمال" - وهو بابل - كأسدٍ يخرج من عرينه (إرميا ٤:٧). الناس حوله كانوا يعيشون حياتهم العادية: يزرعون، يتاجرون، يتعبّدون في الهيكل ظانّين أن وجود الهيكل نفسه يحميهم من أي كارثة، بغضّ النظر عن سلوكهم.

فحين يقول إرميا "نظرتُ إلى الأرض"، هو لا يتكلم من برجٍ عاجيّ بعيد؛ هو يرى بعينَي نبيّ ما سيحدث لمدينته، لبيته، لجيرانه، خلال سنوات قليلة فعلًا - سنة ٥٨٦ ق.م. حين ستُحرق أورشليم فعليًّا وتُسبى بابل. الرؤيا هنا نبوءةٌ ستتحقق حرفيًّا: مدنٌ خاوية، حقولٌ مهجورة، سماءٌ مظلمة بدخان الحرائق. هذا ما يجعل الصورة الكونية (عودة الأرض إلى ما قبل الخليقة) مرعبة بالقدر نفسه الذي هي شعرية فيه - لأنها ستتحول إلى واقعٍ ملموس يعيشه أبناء شعبه.

## اللغة الأصلية

كلمتان عبريّتان هنا يجب أن تتوقف عندهما: **תֹּהוּ (tôhûw, H8414)** و**בֹּהוּ (bôhûw, H922)**، المترجمتان "خربة وخالية". تُستخدم هاتان الكلمتان معًا في مكانٍ واحدٍ آخر فقط في كل العهد القديم: تكوين ١:٢، لوصف الأرض قبل أن يبدأ الله يخلق فيها نظامًا. تُوهو تعني حرفيًّا خرابًا أو فراغًا صحراويًّا، وأحيانًا "شيئًا عديم القيمة" [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs)، وبُوهو تعني خواءً غير متمايز، فراغًا لا شكل له [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs). حين يستخدم إرميا نفس الزوج بالضبط، هو لا يصف كارثة عادية؛ هو يقول: العالم الذي أعرفه يتفكك إلى ما كان عليه قبل أن يتكلم الله كلمة الخليقة.

الكلمة الأخرى المهمة هي **אוֹר (ʼôwr, H216)** "نور"، من جذرٍ يعني الإنارة بكل معانيها [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs). في سفر التكوين، أول كلمة ينطق بها الله هي "ليكن نور" (تكوين ١:٣) - النور هو أساس كل نظامٍ وحياة. حين يقول إرميا "فلا نور لها"، هو يلغي أول فعل خلقٍ إلهيّ. السماوات (**שָׁמַיִם**, shâmayim, H8064) التي صُممت لتحمل الأجرام المنيرة - الشمس والقمر والنجوم - أصبحت عمياء، خرساء، بلا وظيفة.

وحتى الفعل الأول "نظرتُ" - **רָאָה (râʼâh, H7200)** "رأى" [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs) - يستحق وقفة: هذا ليس تأمّلًا عقليًّا بل رؤيا مباشرة، شبه بصرية، مثل رؤية النبوّة التي رآها بعينَي روحه. الأرض نفسها، **אֶרֶץ (ʼerets, H776)** [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs)، هنا يهوذا تحديدًا لا الكون كله، لكنها موصوفة بلغة الكون كله - وهذا هو مفتاح الرعب في النص: خرابٌ محليّ يُصوَّر بلغة نهاية الخليقة نفسها.

## كيف تشير إلى المسيح

هذه الآية تصف تفكيك الخليقة بسبب الخطية - وهذا بالضبط ما يجعلها تشير، وإن بصورةٍ غير مباشرة، إلى المسيح. الكتاب المقدس كله قصةٌ واحدة: خليقةٌ كاملة، ثم سقوط يُدخل الفوضى والظلام، ثم فداءٌ يعيد النور والنظام. إرميا هنا يقف في منتصف هذه القصة، يرى ثمار الخطية البشرية وهي تعيد العالم إلى حالة "توهو وبوهو" - إلى ما قبل أن يقول الله "ليكن نور".

يسوع نفسه استخدم لغةً مشابهة جدًّا حين تكلم عن آخر الأزمنة: "تُظلم الشمس، والقمر لا يعطي ضوءه، والنجوم تسقط من السماء" (متى ٢٤:٢٩). هذا صدى مباشر لنفس نوع الصور التي استخدمها إرميا وإشعياء وعاموس ويوئيل. الرب يسوع يستعير لغة الأنبياء عن دينونة يهوذا المحلية ليصف دينونةً كونية أعظم آتية في آخر الأيام - وهو ما يعني أن ما رآه إرميا كان نموذجًا مصغّرًا (بروفة صغيرة) لِما سيحدث في اليوم الأخير على مستوى الكون كله.

لكن الأهم: يسوع في متى ٢٤:٣٥ يقول مباشرة بعد ذلك: "السماء والأرض تزولان، ولكن كلامي لا يزول". هنا العكس تمامًا لما رآه إرميا - فحيث كل شيءٍ يتفكك ويعود إلى العدم، كلمة المسيح وحدها تبقى ثابتة. هو النور الذي لا يُطفأ (يوحنا ١:٤-٥)، وهو من سيأتي في النهاية لا ليدين فقط بل ليخلق "سماءً جديدة وأرضًا جديدة" (رؤيا ٢١:١)، حيث لن يكون هناك ظلامٌ بعد لأن "الرب الإله ينير عليهم" (رؤيا ٢٢:٥).

فإرميا ٤:٢٣ صرخة ألمٍ حقيقية في وسط القصة، لكنها ليست الكلمة الأخيرة. المسيح هو من يقلب هذه الصورة رأسًا على عقب: هو من يعيد قول "ليكن نور" على عالمٍ أظلمته الخطية.

## التطبيق

ربما لم تختبر يومًا حرقًا فعليًّا لمدينتك، لكن هل اختبرت يومًا تلك اللحظة التي تنظر فيها إلى حياتك - علاقتك بالله، بيتك، قلبك - وتشعر أنها "خربة وخالية"؟ لا معنى، لا نور، لا اتجاه؟ إرميا لا يصف كارثةً طبيعية عشوائية؛ هو يصف نتيجة خطيةٍ متراكمة، اختياراتٍ صغيرة تراكمت حتى صارت خرابًا كاملًا.

هذا يستحق أن يوقفك: الخراب الذي تراه أحيانًا في حياتك ليس دائمًا "سوء حظّ". أحيانًا هو صدى ما زرعته أنت بيديك - إهمالٌ لله، مساوماتٌ صغيرة، أوثانٌ صغيرة سمحتَ لها أن تكبر. يهوذا لم تنهَر فجأة؛ انهارت بعد أجيال من التمرد الهادئ المؤدَّب.

لكن لاحظ شيئًا آخر: إرميا لم يكتفِ بأن يعلن الدينونة من بعيد؛ هو بكى عليها (إرميا ٩:١). النبي الذي رأى الخراب هو نفسه من ناح عليه. هذا يعلّمك شيئًا عن قلب الله نفسه: الدينونة ليست فرحًا له، بل حزنٌ عميق على ما آل إليه من أحبّه.

فالثمن الذي تطلبه هذه الآية منك اليوم بسيط لكنه مكلف: أن تتوقف عن التبرير، وتنظر بصدقٍ إلى المناطق "الخربة" في حياتك، وتسمّيها باسمها - لا "ظروفًا صعبة" بل نتيجة ابتعادٍ عن مصدر النور. ثم أن تعود. لأن الله الذي قال "ليكن نور" في البداية، وبكى مع نبيّه على الخراب، هو نفسه الذي أرسل ابنه ليكون نورًا لا يُطفأ. التوبة ليست إذلالًا؛ هي الطريق الوحيد من "توهو وبوهو" إلى نظامٍ وحياةٍ من جديد.

## نقاط للصلاة

- يا رب، أعترف أن بعض الخراب في حياتي ليس صدفة، بل ثمرة اختياراتي البعيدة عنك - امنحني الصدق لأراه كما هو.
- يا الله الذي قلتَ "ليكن نور"، أعِد إشعال النور في المناطق المظلمة من قلبي وبيتي وعلاقاتي.
- أشكرك لأن ابنك يسوع هو النور الذي لا يُطفأ، حتى حين تنهار كل الأشياء من حولي.
- امنحني قلب إرميا: أن أرى الخطية بجدية، وأن أحزن عليها لا أن أستهين بها أو أبرّرها.
- ثبّت رجائي بأن كلامك، لا كلام هذا العالم المتغيّر، هو الباقي إلى الأبد.

## تأمّلات

- ما هي المنطقة في حياتي التي أستطيع أن أصفها بصدقٍ اليوم بأنها "خربة وخالية"؟ ومتى بدأت تتشكّل؟
- هل أميل إلى تفسير الخراب في حياتي كسوء حظّ، بدل أن أسأل إن كان صدى لاختياراتٍ ابتعدتُ فيها عن الله؟
- حين أفكر في دينونة الله، هل أراها فقط غضبًا، أم أرى فيها أيضًا حزن قلبٍ محبّ كما بكى إرميا؟
- أين أرى في حياتي علامات أن الله بدأ فعلًا يعيد قول "ليكن نور" وسط ظلامي؟
- ما الثمن الذي أتهرّب من دفعه لأعود من "الخراب" إلى الحضور الحقيقي مع الله؟

---

https://dewfall.app/ar/read/svd:24:4:23
