# إرميا ٣:١٥ (الكتاب المقدس - ترجمة فان دايك)

> وَأُعْطِيكُمْ رُعَاةً حَسَبَ قَلْبِي، فَيَرْعُونَكُمْ بِالْمَعْرِفَةِ وَالْفَهْمِ.

## ما معناها

اقرأ الآية ببطء: "وأُعطيكم رعاة حسب قلبي، فيرعونكم بالمعرفة والفهم." هذا وعدٌ من الله، لا أمرٌ ولا تهديد. في وسط أصحاحٍ مليء بدعوةٍ للتوبة ("ارجعي أيتها العروس المرتدة")، يقف هذا الوعد كضوءٍ في آخر النفق. الله لا يكتفي بأن يغفر لشعبه ويعيدهم إلى الأرض، بل يعدهم بشيءٍ أعمق: رعاةً حقيقيين، على قياس قلبه هو، لا على قياس مصالحهم الشخصية.

الظاهر جليّ: بعد قرونٍ من ملوكٍ ورؤساء خانوا الأمانة وأضلّوا الشعب (وقد وصفهم إرميا لاحقًا في ٢٣:١-٢ بأنهم "بدّدوا غنمي وطردوها")، يعد الرب بنوعٍ جديد من القيادة. لكن الذي يسهل تفويته هو التفصيل الدقيق: هؤلاء الرعاة لن يكونوا فقط أتقياء أو صالحي النية، بل سيرعون "بالمعرفة والفهم" — أي أن رعايتهم الروحية ستكون مبنيّة على معرفةٍ حقيقية بالله وفهمٍ لطرقه، لا على حماسٍ فارغ أو سلطةٍ متسلّطة.

هذا الوعد يقع في قلب قصة إرميا الأكبر: سفرٌ يفضح خيانة القيادة الفاسدة في يهوذا، ثم يفتح بابًا للرجاء بأن الله نفسه سيتولى تعيين قادةٍ أمناء. المسيحيون يقرؤون هذا بطرقٍ متكاملة لا متعارضة: كثيرون يرون فيه أولًا إشارةً إلى قادةٍ تاريخيين بعد السبي (كنحميا وعزرا) [Jamieson-Fausset-Brown](cite://s?id=jamieson-fausset-brown)، بينما يرى آخرون أن تمامه الأعمق يمتد إلى رعاة العهد الجديد ورعاية المسيح نفسه [Tyndale Open Study Notes](cite://s?id=tyndale). لا تعارض هنا بل طبقات: الوعد بدأ يتحقق جزئيًا، وبلغ ذروته في المسيح والكنيسة.

## السياق التاريخي

كتب إرميا هذه الكلمات في يهوذا، على الأرجح في العقود الأخيرة قبل سقوط أورشليم، أي في مكانٍ ما بين ٦٢٧ و٥٨٦ ق.م. كان إرميا كاهنًا شابًّا من عناثوث، دعاه الله في زمنٍ مضطرب: مملكة إسرائيل الشمالية كانت قد سقطت بالفعل بيد أشور قبل جيلٍ أو أكثر، ويهوذا الجنوبية تترنّح بين إصلاحات يوشيا الملك الصالح، وانحدار خلفائه نحو الفساد والتحالفات الوثنية مع مصر وبابل.

تخيّل المشهد: الهيكل ما زال قائمًا في أورشليم، لكن العبادة فيه اختلطت بعبادة البعل والعشتاروت على كل تلٍّ مرتفع. الملوك الذين كان يجب أن يكونوا "رعاة" للشعب — بحسب الصورة القديمة في الشرق الأدنى القديم حيث يُوصف الملك بالراعي — كانوا هم أنفسهم يستغلّون الشعب، يظلمون الفقير، ويتحالفون مع قوى أجنبية بدل الاتكال على الرب. الكهنة فسدوا، والأنبياء الكذبة كانوا يطمئنون الشعب كذبًا بأن كل شيء بخير.

في هذا السياق بالذات يأتي إصحاح إرميا ٣ ليخاطب يهوذا بلغة الزوجة الخائنة التي تركت زوجها وسارت وراء عشّاق كثيرين (الآلهة الغريبة)، لكن الرب يدعوها للرجوع. الآية ١٥ تأتي في وسط هذا النداء العاطفي، كوعدٍ بأن الرجوع لن يكون مجرد عودةٍ جغرافية إلى الأرض، بل عودة إلى نظام قيادةٍ سليم. الشعب الذي عاش قرونًا تحت رعاةٍ سيئين — بعضهم أنبياء كذبة، وبعضهم ملوك ظالمون — يسمع الآن أن الله نفسه سيهتم باختيار من يقودهم، تمامًا كما اختار داود قديمًا "رجلًا حسب قلبه" [Matthew Henry Bible Commentary](cite://s?id=matthew-henry). هذا الوعد كان بلسمًا لشعبٍ أتعبته القيادة الفاسدة، ووعدًا سيتحقق جزئيًا بعد السبي البابلي حين عاد الشعب تحت قيادة زربابل ونحميا وعزرا.

## اللغة الأصلية

في قلب هذه الآية فعلٌ عبريٌّ بسيط لكنه ثقيل المعنى: רָעָה (râʻâh, H7462). معناه الأصلي هو "أن ترعى قطيعًا" — أن تقود الغنم إلى المرعى، تحرسها، تعرف كل خروفٍ باسمه تقريبًا. لكن الكلمة تحمل أيضًا معنى "أن تحكم" و"أن ترافق كصديق" [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs). هذا يكشف شيئًا جميلًا: القيادة في فكر الله ليست سيطرةً من بعيد، بل مرافقةً حميمة، مثل الراعي الذي ينام قرب قطيعه.

ثم هناك الفعل נָתַן (nâthan, H5414) — "أعطي" — وهو فعلٌ عام جدًّا يُستخدم للعطاء بكل أشكاله، لكنه هنا يؤكد أن هؤلاء الرعاة ليسوا نتاج انتخابٍ بشري أو صدفة تاريخية، بل عطيّةٌ إلهية مباشرة [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs). الله هو من "يعطي"، والشعب هو من يتلقّى.

وكلمة "قلبي" هنا هي לֵב (lêb, H3820)، وهي كلمةٌ عبرية غنية جدًّا لا تعني فقط المشاعر كما في العربية، بل تشمل الإرادة والعقل ومركز الشخصية كلها [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs). فحين يقول الله "رعاة حسب قلبي"، فهو لا يقصد رعاةً يشعرون كما يشعر هو فقط، بل رعاةً تتوافق إرادتهم وفكرهم وتوجّه حياتهم كلها مع مقاصده — تمامًا كما وُصف داود في صموئيل الأول ١٣:١٤.

أخيرًا، "المعرفة والفهم" تترجم كلمتين: דֵּעָה (dêʻâh, H1844) وهي "معرفة" بمعنى الإدراك الحقيقي لا مجرد المعلومات [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs)، وفعل שָׂכַל (sâkal, H7919) الذي يعني أن تكون فطنًا، متبصّرًا، قادرًا على التمييز الصائب في المواقف [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs). الرعاية الحقيقية إذن ليست حماسًا بلا فهم، ولا معرفةً نظرية بلا حكمة عملية — بل الاثنان معًا.

## كيف تشير إلى المسيح

هذا الوعد يمتد كخيطٍ عبر الكتاب المقدس كله حتى يصل إلى شخصٍ واحد. إرميا نفسه يكرر هذا الوعد بصورةٍ أوضح في ٢٣:٤-٥، حيث يعد الله برعاةٍ صالحين ثم مباشرةً بـ"غصنٍ بارٍّ" يقوم لداود، ملكٌ يملك بحكمة ويجري عدلًا وبرًّا. حزقيال يذهب أبعد فيصف هذا الراعي بأنه "راعٍ واحد" — "عبدي داود" — الذي سيرعى الشعب رعايةً كاملة (حزقيال ٣٤:٢٣، ٣٧:٢٤).

هذه النبوءات لا تجد تمامها في أي ملكٍ بشري بعد إرميا، بل في يسوع المسيح، الذي أعلن عن نفسه بلا مواربة: "أنا هو الراعي الصالح" (يوحنا ١٠:١١). هو الراعي الذي لا يهرب حين يأتي الذئب، الذي يعرف خرافه بالاسم، والذي يبذل نفسه عن الخراف. فيه وحده تجتمع المعرفة الكاملة بالله ("أنا وأبي واحد") مع الفهم الكامل باحتياجات شعبه، لأنه صار واحدًا منا وعرف تجربتنا.

لكن الوعد لا يتوقف عند المسيح وحده كراعٍ أعظم؛ بل يمتد إلى الرعاة الذين يقيمهم هو نفسه في كنيسته. بولس يقول للشيوخ في أفسس إن الروح القدس هو من أقامهم رعاةً "ليرعوا كنيسة الله التي اقتناها بدمه" (أعمال الرسل ٢٠:٢٨). هنا يتّضح أن كل راعٍ أمين في الكنيسة اليوم هو استمرارٌ لهذا الوعد القديم في إرميا: عطيّةٌ من المسيح، على قياس قلبه، ليقود الشعب بمعرفةٍ وفهمٍ ينبعان من معرفة المسيح نفسه لا من حكمة العالم (كما يميّز بولس في كورنثوس الأولى ٢:٦). فالآية إذن نبوءةٌ ذات طبقتين: تمامٌ تاريخي جزئي بعد السبي، وتمامٌ كاملٌ نهائي في الراعي الأعظم وفي كل من يرعى باسمه.

## التطبيق

ربما لم تُخيَّب أملك يومًا من قائدٍ روحي، لكن أغلبنا خُيِّب. راعٍ كنيسة استغلّ ثقتك، أو معلّمٌ اهتمّ بصورته أكثر من نفسك، أو صوتٌ "روحي" على الشاشة يبيعك سلعةً باسم الإيمان. إن كنت قد جُرحت هكذا، فهذه الآية موجّهةٌ إليك مباشرة: الله يرى، ويعرف كم أتعبك الرعاة الفاسدون، ويعدك بشيءٍ أفضل.

لكن الآية لا تدعوك فقط لتنتظر رعاةً أفضل — بل تسألك سؤالًا أصعب: هل أنت تبحث عن راعٍ "حسب قلب الله"، أم عن راعٍ يقول لك ما تريد أن تسمعه؟ كثيرون منا، دون أن يشعروا، يختارون معلّمين ومرشدين لأنهم يريحوننا، لا لأنهم يقودوننا إلى معرفة الله الحقيقية. المعرفة والفهم اللذان تتحدث عنهما الآية ليسا مريحين دائمًا؛ أحيانًا يوجعان قبل أن يشفيا.

وإن كنت أنت نفسك في موقع رعاية — أبًا، أمًّا، معلّم مدرسة أحد، قائد مجموعة صغيرة، أو حتى صديقًا يُستشار كثيرًا — فهذه الآية تسألك: هل ترعى بمعرفةٍ حقيقية بالله وفهمٍ صادق لمن أمامك، أم بحماسٍ فارغ أو رغبةٍ في السيطرة؟ الثمن هنا ليس صغيرًا: أن تخصّص وقتًا لتعرف الله معرفةً حقيقية قبل أن تحاول أن تقود أحدًا إليه؛ أن تصبر مع من ترعاهم كما يصبر الراعي مع خروفٍ بطيء الخطى؛ أن تضع مصلحة من تحت يدك فوق راحتك.

والدعوة الأعمق هي أن تدع المسيح نفسه يرعاك أولًا. قبل أن تبحث عن راعٍ بشري مثالي، اسأل: هل جلست حقًّا عند قدمي الراعي الصالح؟ لأن كل راعٍ صالح على الأرض لن يكون إلا انعكاسًا باهتًا له.

## نقاط للصلاة

- يا رب، أشكرك لأنك لا تتركني بلا راعٍ، بل تعدني برعاةٍ حسب قلبك — امنحني عينًا صادقة لأميّز الأمناء منهم.
- اغفر لي حين أبحث عن معلّمين يريحونني بدل أن يقودوني إلى معرفتك الحقيقية.
- إن كنتَ قد وضعتني في موقع رعاية لأحد، فامنحني معرفةً وفهمًا حقيقيين، لا حماسًا فارغًا.
- اشفِ قلبي من جراح تركها فيّ رعاةٌ خانوا الأمانة، وردّني إلى ثقتي بك أنت الراعي الأعظم.
- علّمني أن أجلس عند قدمي المسيح الراعي الصالح قبل أن أطلب أي راعٍ آخر.

## تأمّلات

- هل تبحث في من تسمع له اليوم عن راحةٍ نفسية أم عن معرفةٍ حقيقية بالله، حتى لو كانت مزعجة؟
- من هم الرعاة (الأشخاص، الأصوات، المصادر) الذين يشكّلون فهمك لله هذه الأيام؟ هل هم "حسب قلب الله" فعلًا؟
- إن كنتَ راعيًا لأحد بأي شكل، ما الفرق بين "المعرفة والفهم" اللذين تنقلهما، وبين مجرد آرائك الشخصية؟
- ما الجرح الذي تركه فيك قائدٌ روحي فاسد، وهل سمحتَ لله أن يشفيه بدل أن يقودك إلى الشك بكل قيادة؟
- هل جلستَ اليوم فعلًا عند قدمي المسيح الراعي، أم أنك تكتفي بمعرفةٍ عن الله دون قربٍ حقيقي منه؟

---

https://dewfall.app/ar/read/svd:24:3:15
