# إرميا ٢٥:٣ (الكتاب المقدس - ترجمة فان دايك)

> «مِنَ السَّنَةِ الثَّالِثَةِ عَشَرَةَ لِيُوشِيَّا بْنِ آمُونَ مَلِكِ يَهُوذَا إِلَى هذَا الْيَوْمِ، هذِهِ الثَّلاَثِ وَالْعِشْرِينَ سَنَةً، صَارَتْ كَلِمَةُ الرَّبِّ إِلَيَّ فَكَلَّمْتُكُمْ مُبَكِّرًا وَمُكَلِّمًا فَلَمْ تَسْمَعُوا.

## ما معناها

انظر إلى هذه الآية جيدًا: إرميا لا يتكلم هنا عن رسالةٍ واحدة ألقاها، بل عن **ثلاث وعشرين سنة كاملة** من الكلام المتواصل. من السنة الثالثة عشرة ليوشيا إلى هذه اللحظة التي يتكلم فيها (وهي السنة الرابعة ليهوياقيم)، ظلّ صوت الله يصل إليه، وظلّ هو ينقله للشعب [Jamieson-Fausset-Brown](cite://s?id=jamieson-fausset-brown). هذا رقمٌ ضخم لو فكّرت فيه: ثلاثٌ وعشرون سنة من التحذير المتكرر، لا مرة ولا مرتين.

والتفصيل الذي يسهل تفويته هو تعبير «مُبَكِّرًا وَمُكَلِّمًا». هذا ليس مجرد وصفٍ شعري؛ إنه يرسم صورة أبٍ يستيقظ باكرًا كل يوم ليكلم ابنه العنيد، لا يكلّ ولا ييأس رغم تكرار الرفض. الله هنا ليس إلهًا بعيدًا يُصدر تحذيرًا واحدًا ثم ينسحب، بل إلهٌ مثابر، يعاود الكلام صباحًا بعد صباح [John Gill Bible Commentary](cite://s?id=john-gill).

والصدمة الحقيقية في الآية تأتي في نهايتها: «فَلَمْ تَسْمَعُوا». كل هذه السنين، كل هذا الإصرار الإلهي، قوبل بصمم متعمَّد. هذه الآية تفتح خطابًا طويلًا (إرميا ٢٥) يُعلن فيه الله أن الصبر له نهاية، وأن السبي البابلي لسبعين سنة آتٍ لا محالة (إرميا ٢٥:١١)، بسبب هذا الرفض المتراكم لا لحادثةٍ واحدة. فموضع هذه الآية في قصة السِّفر هو نقطة التحوّل: من الإنذار المتكرر إلى إعلان الحكم النهائي.

## السياق التاريخي

إرميا كتب هذا الكلام في السنة الرابعة لِيَهُوياقيم ملك يهوذا، وهي نفسها السنة الأولى لنبوخذنصر ملك بابل، أي حوالي سنة ٦٠٥ قبل الميلاد [Matthew Henry Bible Commentary](cite://s?id=matthew-henry). لكنه يرجع بذاكرته إلى الوراء، إلى السنة الثالثة عشرة ليوشيا، أي حوالي سنة ٦٢٧ قبل الميلاد، وهي السنة التي دُعي فيها ليكون نبيًّا وهو لا يزال شابًّا [Tyndale Open Study Notes](cite://s?id=tyndale).

فكّر في المدى الذي عاشه: بدأ في عهد يوشيا، الملك الصالح الذي طهّر الأرض من الأصنام وأصلح الهيكل، وكان يظن الشعب أن الإصلاح باقٍ. ثم مات يوشيا في معركة مجدو، وجاء بعده أبناؤه: يهوآحاز الذي لم يدم سوى ثلاثة أشهر، ثم يهوياقيم الذي أعاد الشعب إلى العبادة الوثنية والظلم الاجتماعي بسرعة مذهلة. في غضون بضع سنوات فقط انهار كل الإصلاح الذي بدأه يوشيا.

فتخيّل إرميا: شابٌّ دُعي في زمن الرجاء، وظلّ يكرز على مدى جيلٍ كامل تقريبًا، شاهدًا على تدهور أمّته أمام عينيه، من ملكٍ تقيّ إلى ملوكٍ متمرّدين. كان يقف كل صباح تقريبًا — هذا ما يوحي به التعبير العبري «مُبَكِّرًا» — ويكرر نفس الرسالة: ارجعوا، تُوبوا، وإلا يأتي دمار [Keil-Delitzsch Old Testament Commentary](cite://s?id=keil-delitzsch). والشعب لم يكن ينقصه الوعظ، بل كان غارقًا في وهم الأمان لأن الهيكل في أورشليم، وكانوا يظنون أن الله لن يسمح بسقوطه مهما فعلوا.

وفي هذه اللحظة بالذات، سنة ٦٠٥ ق.م، كانت الإمبراطورية البابلية تصعد بسرعة مرعبة، وقد هزم نبوخذنصر المصريين في معركة كركميش تلك السنة نفسها، فأصبح الطريق مفتوحًا أمامه ليجتاح يهوذا. الكلام الذي لم يُسمَع لثلاث وعشرين سنة كان على وشك أن يتحقق بالسيف والسبي.

## اللغة الأصلية

العبارة العبرية التي تحمل ثقل الآية هي **הַשְׁכֵּם וְדַבֵּר** (مبنيّة من הַשְׁכֵּם haškēm ودַבֵּר dabbēr)، والمترجمة «مُبَكِّرًا وَمُكَلِّمًا». الجذر H7925 (שָׁכַם shâkam) معناه الحرفي أن تحمّل حِمْلك على كتفك لتبدأ السفر باكرًا [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs). تخيّل هذه الصورة: الله يشدّ رحاله كل صباح، يحمل رسالته على كتفه، ويأتي إليكم قبل أن تستيقظوا. هذا ليس تعبيرًا عابرًا؛ إنه يصوّر إلحاحًا ومثابرة، لا فتورًا ولا كسلًا.

أما كلمة «كَلِمَة» في «كَلِمَةُ الرَّبِّ» فهي H1697 (דָּבָר dâbâr)، من الجذر H1696 (דָבַר dâbar) الذي يعني يتكلّم أو يرتّب [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs). الدَّבָר في العبرية ليس مجرد صوتٍ يتلاشى؛ إنه شيءٌ له وزنٌ وفعل، كأنه حدثٌ يدخل التاريخ ليُنجز شيئًا. حين «تصير كلمة الرب» إلى إرميا، فهذا ليس إلهامًا شعوريًّا غامضًا، بل أمرٌ محدَّد نازلٌ من عند الله له سلطان.

ولاحظ أيضًا اسم الرب نفسه، H3068 (יְהֹוָה Yᵉhôvâh)، المشتق من الجذر «كان/يكون»، أي الكائن الأزلي الذي لا يتغيّر [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs). هذا مهم لأن الآية تقول ضمنًا: هذا الإله الأبدي الثابت هو الذي كان يكلّمكم، لا شبح ولا وهم عابر.

وأخيرًا، الرقم ثلاثٌ وعشرون سنة (H7969 + H6242) ليس مجرد تفصيل تاريخي، بل هو جزءٌ من الحجة: كل تلك السنين المديدة من دَبָר متكرر، مقابل صمتٍ بشري واحد لم يتزحزح: «فَلَمْ تَسْمَعُوا».

## كيف تشير إلى المسيح

هذه الآية تكشف نمطًا يتكرر عبر كل الكتاب المقدس: الله لا يُدين قبل أن يُحذّر مرارًا، ولا يهجم بغتة، بل يمدّ يده طويلًا. وهذا بالذات ما يصل إلى ذروته في المسيح. فحين بكى يسوع على أورشليم قال: «كم مرة أردت أن أجمع أولادك... ولم تريدوا!» (متى ٢٣:٣٧) — وهذه بالضبط صدى ما يقوله إرميا هنا: صوتٌ إلهيٌّ صبور يتكلم مرارًا، ويُقابَل بالرفض.

لكن الأعمق من ذلك هو أن المسيح نفسه هو «الكلمة» — اللوغوس (يوحنا ١:١) — الذي لم يعد يُرسِل رسلًا يكلّمون بالنيابة عنه فحسب، بل جاء هو شخصيًّا ليتكلّم. العبرانيين ١:١-٢ يضع هذا بوضوح: «الله بعدما كلّم الآباء بالأنبياء قديمًا... كلّمنا في هذه الأيام الأخيرة بابنه». فما بدأه إرميا بصوته البشري المحدود، بلغ كماله حين صار الكلام نفسه جسدًا وسكن بيننا.

والمثير أن يسوع أيضًا كان يذهب إلى الهيكل باكرًا ليعلّم الشعب (يوحنا ٨:٢) — نفس الصورة، صبرٌ إلهيٌّ متجدّد كل صباح يطلب آذانًا صاغية. وكما رفض شعب يهوذا كلام إرميا، رفض كثيرون كلام المسيح نفسه، فحلّ الدينونة على أورشليم مرتين: في السبي البابلي، وفي خراب سنة ٧٠ ميلادية الذي تنبأ به المسيح بسبب رفضه.

لكن الفارق الحاسم أن في المسيح، لا يكتفي الله بالكلام والتحذير، بل يحمل هو نفسه عقوبة الرفض على الصليب، فيفتح بابًا لكل من يسمع أخيرًا ويُصغي، مهما تأخّر.

## التطبيق

اسألْ نفسك سؤالًا صريحًا: كم مرة كلّمك الله ولم تسمع؟ ليس بالضرورة عبر نبيٍّ يقف أمامك، بل عبر وخزة ضمير، عبر آيةٍ قرأتها ومررت عليها بسرعة، عبر صوت صديق قال لك الحق فتجاهلته، عبر ظرفٍ صعب كان يريد أن يلفت انتباهك فتجاوزته بسرعة عابرة.

الآية لا تصف شعبًا شريرًا بشكلٍ فجّ فقط، بل شعبًا **مُتعَبًا من السمع**، تعوّد على تجاهل الصوت الإلهي المتكرر حتى صار طبيعيًّا. هذه هي الخطورة الحقيقية: ليس أن تسمع مرة وترفض، بل أن يتكرر الرفض حتى يصير عادة، ولا تعود تشعر بثقل ما تفعله.

الله في هذه الآية ليس متعجّلًا ولا غاضبًا من أول وهلة؛ إنه صبورٌ إلى حدٍّ يُخجل — ثلاثٌ وعشرون سنة! لكن صبره ليس تهاونًا أبديًّا؛ فالإصحاح نفسه ينتهي بإعلان الدينونة القادمة. فالثمن الذي تطلبه هذه الآية منك اليوم هو: **أن تتوقف الآن**، لا غدًا، وتسأل الله: أين كنتَ تكلّمني ولم أُصغِ؟ ربما في كلمة قرأتها في صلاتك الصباحية ونسيتها بحلول الظهر. ربما في وخز ضمير تجاه علاقةٍ متوترة، أو عادةٍ خفية، أو مال تُمسك به بيدٍ مقفلة.

الصدق يطلب منك أن تتوقف عن اعتبار صبر الله دليلًا على أن الأمر ليس خطيرًا. صبره دليلٌ على حبّه، لا على تهاونه. فلا تجعل من طول أناته سببًا لمزيدٍ من الصمم، بل سببًا للتوبة الآن، بينما الباب لا يزال مفتوحًا.

## نقاط للصلاة

- يا رب، افتح أذنيّ لأسمع صوتك حين تكلّمني، ولا تدعني أتعوّد على تجاهلك.
- أعترف أنني كثيرًا ما سمعت كلمتك ولم أُطِعها؛ سامحني على قلبي المتحجّر.
- أشكرك على صبرك الطويل عليّ، وأطلب أن أستخدم هذا الوقت للتوبة لا للمماطلة.
- أعطني قلبًا يميّز صوتك وسط ضجيج حياتي اليومي.
- ساعدني أن أكون صوتًا أمينًا لمن حولي، حتى لو تكرر رفضهم، كما فعل إرميا.

## تأمّلات

- ما هي الرسالة التي شعرتَ أن الله كررها عليك مرارًا، ولم تُصغِ إليها بعد؟
- هل صرتَ معتادًا على تجاهل صوت الله حتى لم تعد تشعر بثقل ذلك التجاهل؟
- كيف تستجيب حين يتأخر الله في الدينونة: بالتراخي، أم بالتوبة؟
- من في حياتك يشبه إرميا — يكلّمك بالحق مرارًا وأنت لا تسمع؟ كيف تتعامل معه؟
- لو كتب الله اليوم عنك سطرًا كهذه الآية، ماذا سيقول عن استجابتك؟

---

https://dewfall.app/ar/read/svd:24:25:3
