# إرميا ١٣:١٦ (الكتاب المقدس - ترجمة فان دايك)

> أَعْطُوا الرَّبَّ إِلهَكُمْ مَجْدًا قَبْلَ أَنْ يَجْعَلَ ظَلاَمًا، وَقَبْلَمَا تَعْثُرُ أَرْجُلُكُمْ عَلَى جِبَالِ الْعَتَمَةِ، فَتَنْتَظِرُونَ نُورًا فَيَجْعَلُهُ ظِلَّ مَوْتٍ، وَيَجَعْلُهُ ظَلاَمًا دَامِسًا.

## ما معناها

اقرأ الآية ببطء، وستشعر بثقل خطواتها. إرميا يتوسّل إلى شعبه: "أعطوا الربّ إلهكم مجدًا" — أي اعترفوا بحقّه عليكم، واخضعوا له، قبل فوات الأوان. لماذا العجلة؟ لأن الظلام آتٍ، وهو ظلامٌ من صنع الله نفسه: "قبل أن يجعل ظلامًا". هذا ليس مجرد غروب شمسٍ طبيعي، بل دينونة قادمة، ستُطفئ نور الأمان الذي اعتاد عليه الشعب.

ثم يرسم إرميا صورةً محسوسة جدًّا: رجلٌ يمشي في الجبال وقت الغسق، حين يختلط النور بالظلمة، فتتعثّر قدماه بالصخور التي لا يراها. هذا بالضبط ما سيحدث لإسرائيل: سيترنّحون في طريقهم بلا وضوح، ينتظرون نورًا يهديهم، فإذا هو "ظلّ موت" — أي ظلامٌ كثيفٌ يشبه ظلمة القبر — بل "ظلامًا دامسًا"، أي عتمةً لا شقّ فيها لأي بصيص أمل.

لاحظ التدرّج: نسف (غسق خفيف) ← ظلمة ← ظل موت ← ظلام دامس. كل كلمة أشدّ سوادًا من التي قبلها. هذا ليس وصفًا عابرًا، بل تصعيدٌ متعمَّد ليشعرك أن الأمر يزداد سوءًا كلما تأخّرتَ في التوبة.

وموضع هذه الآية في سِفر إرميا مهمّ: تأتي بعد رمزين — حزام العتّة الذي فسد (إرميا ١٣: ١-١١)، وجرار الخمر التي ستتحطّم (إرميا ١٣: ١٢-١٤) — وكلاهما صورةٌ لكبرياء يهوذا الذي سيُهان. هذه الآية هي صرخة النبي الأخيرة قبل أن ينتقل إلى الإنذار المباشر للملك والملكة بالسبي (إرميا ١٣: ١٨-١٩) [Keil-Delitzsch Old Testament Commentary](cite://s?id=keil-delitzsch). فالدعوة هنا ليست دينًا شكليًّا، بل توبةً حقيقية، تُشبه ما طلبه يشوع من عخان: "أعطِ الآن مجدًا للربّ... واعترف له" (يشوع ٧: ١٩) — الاعتراف والانكسار هما "إعطاء المجد" [Jamieson-Fausset-Brown](cite://s?id=jamieson-fausset-brown).

## السياق التاريخي

كتب إرميا هذه الكلمات في العقود الأخيرة قبل سقوط أورشليم، تقريبًا بين ٦٢٧ و٥٨٦ قبل الميلاد. كان يهوذا في تلك المرحلة مملكةً صغيرة متأرجحة بين قوّتين عظميين: مصر من الجنوب، وبابل الصاعدة من الشرق. الملوك الذين تعاقبوا في تلك الفترة — من يوشيا إلى يهوياقيم فيهوياكين فصدقيا — كانوا يتنقّلون بين الخضوع لهذه القوة أو تلك، بينما الشعب في الداخل غارقٌ في عبادة الأوثان وفساد العدالة وثقةٍ عمياء بأن أورشليم، لكونها مدينة الهيكل، لن تسقط أبدًا.

الإشارة إلى "الملك والملكة" في الآيات التي تلي مباشرةً (إرميا ١٣: ١٨) تجعل كثيرين من الدارسين يربطون هذا الفصل بفترة الملك يهوياكين وأمّه نحوشتا، قُبيل سبيهما إلى بابل سنة ٥٩٧ ق.م. كان هذا حدثًا صادمًا: ملكٌ شاب لم يحكم سوى أشهرٍ قليلة، يُقاد مع أمّه وحاشيته أسرى إلى أرضٍ غريبة.

إرميا كان كاهنًا من عناثوث، دعاه الله وهو فتى، وقضى حياته كلها تقريبًا ينذر شعبًا لا يريد أن يسمع. لم يكن كلامه مجرد تحذيرٍ نظري: كان يرى بأمّ عينيه الجيوش البابلية تقترب، ويعرف أن رفض الشعب التوبة سيعني الحصار، والمجاعة، وحرق الهيكل، والسبي. هذه الآية إذًا ليست خطبةً دينية عامة، بل نداءً أخيرًا موجَّهًا لأناسٍ يعيشون آخر أيام السلام قبل الكارثة، وهم لا يدرون ذلك — أو يرفضون أن يُصدّقوا.

تصوير "الجبال المظلمة" و"ظل الموت" لم يكن غريبًا على سامعي إرميا؛ فإشعياء استخدم صورًا مشابهة قبله بجيل أو أكثر (إشعياء ٥: ٣٠؛ إشعياء ٥٩: ٩)، وكانت هذه الصور من مخزون النبوءة المألوف: الطريق الجبلي الوعر ليلًا، حيث يخطئ المسافر خطوته فيسقط في هوّة أو يصطدم بصخرة. كل من سمع إرميا كان يعرف تمامًا هذا الخطر الواقعي من حياته اليومية، فجاءت الصورة قريبة، محسوسة، مخيفة.

## اللغة الأصلية

الفعل الذي يبدأ به إرميا الآية هو نَתַן (nâthan)، H5414، ومعناه "يعطي" بأوسع معانيه — يعطي، يضع، يجعل [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs). حين يقول "أعطوا الربّ مجدًا"، لا يطلب هدية مادية، بل استجابةً من القلب تُقرّ بحقّه.

وكلمة "مجد" هي כָּבוֹד (kâbôwd)، H3519، وأصلها يحمل معنى "الثِّقَل" أو "الوزن"، لكنها استُخدمت مجازًا للدلالة على البهاء والعظمة [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs). أن "تُعطي الله مجدًا" يعني أن تعترف بثقله الحقيقي في حياتك — أن تضعه في الميزان الذي يستحقّه، لا أن تُهمّشه وتضع نفسك أو أوثانك في مكانه.

أما الظلام فمعبَّرٌ عنه بعدة كلمات متدرّجة الشدّة. نֶשֶׁף (nesheph)، H5399، يعني الغسق أو العتمة الخفيفة التي تسبق الليل الكامل [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs). ثم تأتي צַלְמָוֶת (tsalmâveth)، H6757، وهي كلمة مركّبة من "ظل" و"موت" — כזل الموت — تصف عتمةً ثقيلة تشبه الموت نفسه، وتُستخدم غالبًا للدلالة على أرض القبر أو المصيبة العظمى [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs). وأخيرًا يُستعمل الفعل שִׁית (shîyth)، H7896، "يضع" أو "يجعل"، ليؤكّد أن الله هو من يُقرّر هذا الظلام، لا الصدفة.

وفعل التعثّر נָגַף (nâgaph)، H5062، يحمل معنى "يدفع، يصدم، يضرب"، ويُستخدم أيضًا للدلالة على ضربةٍ أو وباء [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs). فالتعثّر هنا ليس عثرة بسيطة، بل صدمة مؤلمة، كمن تصطدم قدمه بصخرة في العتمة فتُجرح.

وكلمة "ينتظرون" هي קָוָה (qâvâh)، H6960، وتعني حرفيًّا "يجمع أو يفتل معًا"، ومجازًا "يترجّى، يترقّب بأمل" [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs). المفارقة المُرّة أن الشعب "يترجّى نورًا" — أوֹר (ʼôwr)، H216 — لكن الترجّي نفسه يتحوّل إلى خيبة أشدّ ظلمةً.

## كيف تشير إلى المسيح

هذه الآية تصرخ من أجل نورٍ لا يأتي — والعهد الجديد يجيب هذه الصرخة بشخصٍ محدَّد: يسوع المسيح، الذي قال عن نفسه "أنا هو نور العالم؛ من يتبعني فلا يمشي في الظلمة، بل يكون له نور الحياة" (يوحنا ٨: ١٢). إرميا يصف شعبًا يترقّب نورًا فيصير له ظلّ موت، لأنهم رفضوا إعطاء الربّ مجدًا؛ والإنجيل يصف نورًا حقيقيًّا أتى إلى العالم، "وكان النور يضيء في الظلمة والظلمة لم تُدركه" (يوحنا ١: ٥).

اللافت أن العبارة نفسها التي استخدمها إشعياء وإرميا — "ينتظرون نورًا فإذا ظلام" — تتردّد كصدًى في وصف حالة العالم كله قبل مجيء المسيح: أممٌ "جالسة في الظلمة وظلال الموت" (متّى ٤: ١٦، مقتبسًا من إشعياء ٩: ٢). متّى يرى في مجيء يسوع إلى الجليل تحقيقًا حرفيًّا لهذه الصورة النبوية: النور الذي ينتظره من يجلسون في ظل الموت قد أشرق أخيرًا، لا كإدانة بل كخلاص.

والدعوة نفسها في إرميا — "أعطوا الربّ إلهكم مجدًا" — هي جوهر ما يطلبه الإنجيل أيضًا: أن يخضع الإنسان لله بدل أن يتشبّث بكبريائه. المسيح هو الذي أعطى الآب مجدًا كاملًا بطاعته حتى الموت (فيلبي ٢: ٨-١١)، وهو بذلك يفتح الطريق لكلّ من كان عاجزًا، كيهوذا القديم، عن إعطاء هذا المجد بنفسه.

لكن يجب أن نكون أمناء: إرميا لا يتنبّأ صراحةً بالمسيح هنا؛ إنه يتكلّم عن دينونةٍ تاريخية وشيكة على يهوذا. الصلة بالمسيح هي صدًى لاهوتي أعمق: هي أن كل ظلامٍ في الكتاب المقدس — سواء ظلام مصر، أو ظلام السبي، أو ظلام الغسق في جبال إرميا — يجد جوابه النهائي في النور الذي لا يُظلمه ظلام، الآتي في يسوع، والذي سيُشرق أخيرًا إشراقًا كاملًا لا مساء بعده (رؤيا ٢٢: ٥).

## التطبيق

اسمح لي أن أكون صريحًا معك: هذه الآية ليست عن أناسٍ أشرار غرباء عنك، بل عن كل واحدٍ منا حين نؤجّل. "أعطوا الربّ مجدًا قبل..." — هذه الكلمة الصغيرة "قبل" هي كل الموضوع. هناك نافذة، وهي تُغلق.

فكّر في المرات التي عرفتَ فيها أن عليك أن تعترف بخطيئة، أو تُصلح علاقة، أو تخضع لله في أمرٍ تتشبّث به — لكنك أجّلت، ظانًّا أن الوقت ما زال متّسعًا. إرميا يقول لك: احذر، فالغسق يحلّ بسرعة أكبر مما تتوقّع، وحين يحلّ، ستمشي في طريقٍ كنتَ تعرفه جيدًا في وضح النهار، لكنك الآن تتعثّر فيه لأنك لا ترى.

والأمرّ من ذلك: أنك ستظلّ تنتظر النور. لن تكفّ عن الرجاء والتفاؤل، لكن الرجاء نفسه سيتحوّل إلى خيبةٍ أعمق، لأن مصدر الظلام لم يكن الظروف، بل قرار الله بأن يترك من رفض مجده يذوق نتيجة رفضه.

الثمن الذي تطلبه هذه الآية اليوم هو: توقّف عن التأجيل. "إعطاء المجد" ليس شعورًا دينيًّا غامضًا، بل فعلٌ محدَّد — مثل عخان الذي طُلب منه أن يعترف بما فعل (يشوع ٧: ١٩). هل هناك اعترافٌ تؤجّله؟ هل هناك خضوعٌ تُماطل فيه لأنه سيكلّفك كبرياءك، أو راحتك، أو صورتك أمام الناس؟

الرجاء الحقيقي في هذا النص ليس في تجنّب كل ظلام — فبعض الظلمات تأتي مهما فعلنا — بل في أنك، إن أعطيتَ الله مجده الآن، بكل صدق، فلن يكون هذا الظلام عليك، بل ستكون لك عينان مفتوحتان تسيران بثقة حتى في العتمة، لأن نورك الحقيقي ليس في الظروف، بل في من تُخضع له قلبك اليوم، لا غدًا.

## نقاط للصلاة

- ربي، أعترف أني أجّلت الخضوع لك في أمورٍ كثيرة، ظانًّا أن الوقت ما زال متّسعًا؛ امنحني قلبًا يعطيك مجدك الآن.
- يا رب، اكشف لي أين أسير في عتمةٍ لا أراها بسبب كبريائي وعنادي، قبل أن تتعثّر رجلاي.
- أطلب منك نورًا حقيقيًّا يهدي خطواتي، لا رجاءً كاذبًا سرعان ما يتحول خيبة.
- علّمني أن "أعطيك مجدًا" ليس كلامًا، بل اعترافًا صادقًا وطاعةً حقيقية، كما طلبتَ من عخان.
- يا يسوع، يا نور العالم، اجذبني إليك حتى لا أبقى جالسًا في ظل الموت، بل أمشي في نور الحياة.

## تأمّلات

- ما هو الاعتراف أو الخضوع الذي أؤجّله الآن، مقنعًا نفسي أن أمامي وقتًا كافيًا؟
- هل صدَّقتُ يومًا أن "الظلام" الذي أصابني كان مجرد سوء حظ، بينما كان في الحقيقة نتيجة رفضي طويل الأمد لصوت الله؟
- أين أنتظر نورًا في حياتي الآن، وهل جذر هذا الانتظار هو رجاءٌ في الله أم رجاءٌ في ظروفٍ ستخيب حتمًا؟
- متى كانت آخر مرة "أعطيتُ الله مجدًا" بفعلٍ ملموس، لا بكلماتٍ فقط؟
- لو كان الغسق يحلّ الليلة، ما الذي سأندم أني لم أُصلحه مع الله بينما كان الوقت لا يزال نهارًا؟

---

https://dewfall.app/ar/read/svd:24:13:16
