# إرميا ١٢:١ (الكتاب المقدس - ترجمة فان دايك)

> أَبَرُّ أَنْتَ يَا رَبُّ مِنْ أَنْ أُخَاصِمَكَ. لكِنْ أُكَلِّمُكَ مِنْ جِهَةِ أَحْكَامِكَ: لِمَاذَا تَنْجَحُ طَرِيقُ الأَشْرَارِ؟ اِطْمَأَنَّ كُلُّ الْغَادِرِينَ غَدْرًا!

## ما معناها

اقرأ الآية مرّتين، وستلاحظ أن إرميا لا يهاجم الله، بل يبدأ بالركوع: "أبرّ أنت يا رب من أن أخاصمك". هذه ليست مجاملة، بل تسليمٌ حقيقي — قبل أن يفتح فمه بالشكوى، يثبّت في قلبه أن الله عادل مهما قال بعد ذلك [Matthew Henry Bible Commentary](cite://s?id=matthew-henry). ثم يتغيّر النبرة: "لكن أُكلّمك". هو لا يتراجع عن السؤال، لكنه يفرّق بين "المخاصمة" (أن تتهم الله بالظلم) و"الكلام" (أن تسأله بصدقٍ عن معنى ما يجري). هذا فرقٌ دقيق لكنه جوهري: يمكنك أن تسأل الله بلا أن تتّهمه.
والسؤال نفسه صريحٌ وجارح: لماذا ينجح طريق الأشرار؟ لماذا يعيش الغادرون، الخائنون، في اطمئنانٍ تام، وكأن الخيانة لا تُكلّفهم شيئًا؟ إرميا هنا ليس فيلسوفًا يتأمّل من بعيد، بل نبيٌّ مطارَد — في الأصحاح السابق مباشرة (إرميا ١١:٢٠) كان قد طلب من الله أن ينتقم من أهل قريته الذين تآمروا على قتله. فهذه الآية استمرارٌ مباشر لتلك الصرخة، لا فصلٌ جديد منفصل [Keil-Delitzsch Old Testament Commentary](cite://s?id=keil-delitzsch).
موضع هذه الآية في سفر إرميا مهم: السفر كلّه صرخة نبيٍّ يُرسَل ليُنذر شعبًا لا يريد أن يسمع، ويُضطهَد من أجل ذلك. هنا نرى الجانب الإنساني من هذا النبي — ليس آلة تنطق بكلام الله بلا شعور، بل رجلٌ يتعب، ويتألم، ويتساءل.
لا خلاف كبير بين التقاليد المسيحية على معنى الآية الظاهر، لكن الاختلاف يظهر في كيفية استخدامها: البعض يراها نموذجًا للصلاة الجريئة الصادقة أمام الله، والبعض الآخر يشدّد أكثر على أن إرميا هنا يُوبَّخ لاحقًا (الآيات ٥-٦) لأن شكواه كانت فيها عجلة ونفاد صبر — أي أن الآية تحمل توترًا بين السؤال المشروع والاستعجال غير الناضج.

## السياق التاريخي

إرميا كتب هذا في مملكة يهوذا، على الأرجح في العقود الأخيرة قبل سقوط أورشليم، أي في مكانٍ ما بين سنة ٦٢٧ و٥٨٦ ق.م تقريبًا — عصرٌ يشبه سفينةً تغرق ببطء بينما ركّابها ما زالوا يرقصون على سطحها. الملوك يتعاقبون، بعضهم يحاول إصلاحًا سطحيًّا، لكن الفساد الديني والاجتماعي متجذّر: عبادة الأصنام، الظلم الاجتماعي، القادة الكذبة الذين يطمئنون الشعب بينما الكارثة تقترب.
إرميا لم يكن غريبًا، بل كان من كهنة عناثوث، بلدة صغيرة قرب أورشليم. وهذا يجعل الخلفية المباشرة لهذه الآية أكثر إيلامًا: في الأصحاح السابق (إرميا ١١) نكتشف أن أهل بلدته بالذات — أقاربه وجيرانه، الناس الذين يفترض أن يحبّوه ويحموه — تآمروا لقتله لأنه أزعجهم بنبوءاته. فهو لا يتكلم عن "أشرارٍ" مجهولين بعيدين، بل عن أناسٍ يعرفهم بالاسم، ربما أكلوا معه على مائدةٍ واحدة يومًا [Jamieson-Fausset-Brown](cite://s?id=jamieson-fausset-brown).
كان النبي في تلك اللحظة يعيش تناقضًا مؤلمًا: هو المطيع، المرسَل من الله، يُهدَّد بالقتل ويُعزَل ويُحتقَر؛ بينما الخائنون والغادرون من حوله يعيشون بأمان واستقرار، بيوتهم قائمة، محاصيلهم وافرة، لا أحد يزعجهم. هذا لم يكن سؤالًا نظريًّا عن "العدل الإلهي بشكل عام" بل صرخة رجلٍ يدفع ثمن أمانته بينما الخونة ينامون مطمئنين.
هذا النوع من الشكوى ليس غريبًا في أدب إسرائيل؛ نجد صداه في مزامير أخرى (كمزمور ٧٣ ومزمور ٣٧) حيث يتصارع المؤمنون مع نفس اللغز: كيف يزدهر الشرير بينما يتعثّر البار؟ لكن عند إرميا الأمر شخصيٌّ جدًّا، لأن حياته بالذات على المحك.

## اللغة الأصلية

الكلمة الأولى التي تستحق التوقف عندها هي **צַדִּיק** (tsaddîyq، H6662)، وتعني "بارّ" أو "عادل". هذا هو أول ما ينطق به إرميا — قبل أي شكوى، يعترف أن الله عادلٌ بطبيعته وذاته، لا بحسب الظروف. هذه الكلمة تحمل ثقل الآية كلها؛ فإرميا لا يبدأ من الشك بل من اليقين، ثم يبني سؤاله فوق هذا الأساس الثابت [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs).
ثم فعل **רִיב** (rîyb، H7378)، ومعناه الأصلي "يخاصم" أو "يتنازع قضائيًّا" — كأنه مصطلح محكمة، يشير إلى الدخول في دعوى قانونية ضد أحد. إرميا يستخدمه لينفيه عن نفسه: "من أن أخاصمك" — أي أنا لن أرفع عليك دعوى كمن يتّهم قاضيًا بالظلم [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs).
لكنه يقابله بفعلٍ آخر: **דָבַר** (dâbar، H1696)، "يتكلم" أو "يتحدث" — كلمة أهدأ بكثير، تعني ببساطة الحوار والكلام لا المحاكمة. الفرق بين الفعلين هو مفتاح الآية كلها: هناك فرقٌ بين أن تخاصم الله وبين أن تتكلم معه. الأول تمرّد، والثاني علاقة [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs).
كلمة **מִשְׁפָּט** (mishpâṭ، H4941) تعني "الحكم" أو "القضاء"، لكنها أوسع من ذلك بكثير — تشمل النظام، والعدالة، وطريقة تدبير الله لشؤون العالم. حين يقول إرميا "أكلّمك من جهة أحكامك"، فهو لا يسأل عن حادثةٍ واحدة بل عن منطق الله في إدارة الكون كلّه.
وأخيرًا **רָשָׁע** (râshâʻ، H7563) و**בֶּגֶד** (beged، H899) المرتبطة بالغدر والخيانة (من الجذر بָּגַד، H898، ومعناه أن تُخفي نيّة سيئة تحت غطاء) — تصف أناسًا يخفون الشر تحت مظهر السلام، وهذا بالضبط ما جرح إرميا: أن هؤلاء يعيشون "شَالُو" (shâlâh، H7951) أي في طمأنينةٍ وأمان، بينما هم غادرون في الجوهر.

## كيف تشير إلى المسيح

هذه الآية لا تتنبأ بالمسيح مباشرة، لكنها تفتح جرحًا لن يُشفى إلا فيه. سؤال إرميا هو: كيف يمكن أن يكون الله عادلًا بينما الشرير ينجح والبار يتألم؟ هذا بالضبط السؤال الذي يجد جوابه الأعمق عند الصليب.
فكّر في الأمر: يسوع هو البارّ الوحيد الذي لم يُخفِ غدرًا قط، ومع ذلك كان هو من دُفع للموت بينما "الغادرون" — يهوذا الذي باعه، والقادة الذين تآمروا عليه، بيلاطس الذي غسل يديه من الحق — بدوا للحظةٍ وكأنهم انتصروا واطمأنوا. صرخة إرميا "لماذا تنجح طريق الأشرار؟" تتردد صداها في صمت السماء يوم الجمعة العظيمة، حين بدا أن الشر قد فاز نهائيًّا.
لكن القيامة كشفت أن ذلك "النجاح" كان وهمًا مؤقتًا، لا حكمًا نهائيًّا. الله لم يتجاهل سؤال إرميا؛ بل أجاب عنه بأن أرسل ابنه ليحمل بنفسه ثقل هذا التناقض الظالم — البار يتألم، والخاطئ يبدو حرًّا — ليقلبه إلى الأبد: "الذي لم يعرف خطيئة جعله خطيّة لأجلنا، لكي نصير نحن برّ الله فيه" (٢ كورنثوس ٥:٢١).
كما أن مزمور ٧٣، الذي يشبه هذه الآية كثيرًا، لا يجد جوابه إلا حين "دخل صاحبه إلى مقادس الله" وأدرك آخرة الأشرار (مزمور ٧٣:١٧). بالمثل، سؤال إرميا لا يُحَلّ بمنطقٍ فلسفي، بل بانتظار يومٍ أخيرٍ يكشف فيه الله كل حساب — وهذا اليوم يتمركز في المسيح، الديّان العادل الذي سيُظهر أن كل غدرٍ اطمأنّ إليه أصحابه لم يكن نهاية القصة.
فالمسيح هو الجواب النهائي على "لماذا ينجح طريق الأشرار": لأن الله صبورٌ، لا غافل؛ ومهلته ليست تجاهلًا للعدل بل مساحة للرحمة، إلى أن يأتي اليوم الذي فيه "يظهر برّه" كاملًا (رومية ٣:٢٥-٢٦).

## التطبيق

ربما تكون قد وقفت في مكان إرميا بالضبط: تحاول أن تعيش بأمانة، تدفع ثمن الصدق، وترى من حولك من يكذب ويغش ويخون، ومع ذلك بيته أكبر، وحسابه أوفر، ونومه أهنأ من نومك. هذا ليس شعورًا نادرًا؛ هذا سؤال كل إنسانٍ حاول أن يعيش بحسب ما يرضي الله في عالمٍ لا يكافئ ذلك.
ما يعلّمك إرميا هنا ليس أن تكتم هذا السؤال، بل كيف تسأله. لاحظ الترتيب: أولًا "أنت بارّ"، ثم "لكن دعني أتكلم". كثيرون يقلبون الترتيب — يبدأون بالاتهام، وينتهون (إن انتهوا) بالاعتراف بعدل الله. إرميا يعلّمك أن تثبّت قدميك في يقين عدل الله أولًا، ثم تسمح لنفسك بالحيرة والألم والسؤال الصادق. هذا ليس ضعف إيمان؛ هذا إيمانٌ ناضج بما يكفي ليحتمل السؤال [John Gill Bible Commentary](cite://s?id=john-gill).
لكن هناك ثمنٌ هنا، ولا أريد أن أخفيه عنك: الثمن هو أن تنتظر. الله لم يُجب إرميا بتفسيرٍ فوري مُرضٍ؛ بل جاءه بجوابٍ أصعب — "إن كنت قد تعبت مع المشاة، فكيف تُبارِي الخيل؟" (إرميا ١٢:٥). أي أن الطريق أمامك أصعب مما تتخيل، وعليك أن تحتمل أكثر لا أقل. هذا ليس الجواب الذي نريده، لكنه الجواب الذي يبني فينا صبرًا لا يُشترى بغيره.
فاسأل نفسك اليوم بصدق: هل أنت مستعد أن تظل أمينًا حتى لو لم يأتِ الجواب الذي تنتظره؟ هل تستطيع أن تقول "أنت بارّ" قبل أن تفهم لماذا يزدهر من حولك أناسٌ لا يستحقون؟ هذا هو الثمن: إيمانٌ يثق بعدل الله حتى في غياب البرهان الفوري.

## نقاط للصلاة

- يا رب، أعترف أنك بارٌّ حتى قبل أن أفهم طرقك، فعلّمني أن أثبّت هذا اليقين في قلبي أولًا.
- أعطني الجرأة أن أتكلم معك بصدقٍ عن حيرتي، بلا أن أتحوّل إلى من يتّهمك بالظلم.
- سامحني على المرات التي حسدت فيها نجاح من يعيشون بالغدر والخيانة، وطهّر قلبي من هذا الحسد.
- ثبّتني حين أرى الشر ينتصر ظاهريًّا، وذكّرني أن حكمك الأخير لم يُكتب بعد.
- امنحني صبرًا يحتمل الانتظار، حتى لو كان الجواب الذي تعطيني أصعب مما توقعت.

## تأمّلات

- هل هناك سؤالٌ عن عدل الله تخاف أن تطرحه عليه بصراحة؟ لماذا؟
- حين ترى من حولك ينجحون بطرقٍ لا ترضي الله، ماذا يتحرّك في قلبك فعلًا: حزنٌ، أم حسد، أم غضب؟
- هل تثق بعدل الله في المدى البعيد، حتى حين لا يظهر ذلك في ظروفك الحالية؟
- ما الفرق العملي بين أن "تخاصم" الله وأن "تتكلم" معه؟ أين تقف أنت الآن؟
- لو جاءك الله بجوابٍ كالذي أعطاه لإرميا — "الطريق ستصعب أكثر" — كيف كنت ستستقبله؟

---

https://dewfall.app/ar/read/svd:24:12:1
