# تكوين ٩:٦ (الكتاب المقدس - ترجمة فان دايك)

> سَافِكُ دَمِ الإِنْسَانِ بِالإِنْسَانِ يُسْفَكُ دَمُهُ. لأَنَّ اللهَ عَلَى صُورَتِهِ عَمِلَ الإِنْسَانَ.

## ما معناها

انظر إلى بناء الآية نفسه: إنها جملةٌ متناظرة، تكاد تكون بيتَ شعر. "سافك دم الإنسان بالإنسان يُسفك دمه" — الفعل نفسه يتكرر، والفاعل يصير مفعولًا. هذا ليس أسلوبًا عابرًا؛ إنه يُشبه صدى: كما فعلتَ، هكذا يُفعل بك. لكن الأهمّ هو الجملة الثانية، وهي التي تحمل ثِقَل الآية كلّها: "لأن الله على صورته عمل الإنسان". لماذا يُقتل القاتل؟ ليس فقط لأن المجتمع يحتاج إلى نظام، بل لأن الإنسان الذي قُتل كان يحمل شيئًا من الله نفسه. القتل إذن ليس جريمةً ضد إنسانٍ آخر فقط، بل اعتداءٌ على ما يخصّ الله مباشرةً [Jamieson-Fausset-Brown](cite://s?id=jamieson-fausset-brown).

يسهل أن تقرأ هذه الآية وكأنها مجرد قانون عقوبات قديم، لكن لاحظ أين وقعت في القصة: بعد الطوفان مباشرة، حين يبدأ العالم من جديد مع نوح وبنيه. الله لم يمحُ العالم لأن الأرض امتلأت خطيةً عمومًا فقط، بل لأنها امتلأت "ظلمًا" و"سفك دماء" (تكوين ٦:١١-١٣). فحين يُعطي الله للبشرية الجديدة ميثاق الحياة، يضع هذا القانون في صميمه: احترام الدم البشري هو الأساس الذي يقوم عليه أي مجتمعٍ إنساني بعد الآن.

هنا يختلف المسيحيون في التطبيق: هل هذه الآية تأسيسٌ لعقوبة الإعدام كوصيةٍ دائمة يجب أن تحكم بها كل مجتمع؟ كثيرٌ من المسيحيين عبر التاريخ فهموها هكذا — أن الله هنا يفوّض للسلطة البشرية (لا للأفراد) حقّ تنفيذ العدل [Tyndale Open Study Notes](cite://s?id=tyndale). آخرون يرون أنها تصف مبدأً أخلاقيًّا عميقًا عن قداسة الحياة أكثر مما تسنّ قانونًا جنائيًّا ثابتًا لكل زمان ومكان، خصوصًا في ضوء ما يعلّمه المسيح لاحقًا عن الرحمة والانتقام. الأمر الذي لا خلاف عليه هو الأساس اللاهوتي: كرامة الإنسان ليست مكتسبة ولا مشروطة، بل هي معطاةٌ منذ الخلق نفسه، ولا يمحوها حتى سقوط الإنسان في الخطية.

## السياق التاريخي

تخيّل المشهد: العالم بأسره أصبح للتوّ صفحةً بيضاء. الماء انحسر، الفلك استقر على الجبل، ونوح وأبناؤه الثلاثة وزوجاتهم هم كل من تبقّى من البشر على وجه الأرض. لا مدن، لا ممالك، لا محاكم، لا شرطة. فقط عائلةٌ واحدة تقف أمام أرضٍ جديدةٍ خالية.

سِفر التكوين، الذي يُنسب تقليديًّا إلى موسى، كُتب على الأرجح خلال فترة خروج بني إسرائيل من مصر وتيههم في البرية، أي في مكانٍ ما بين القرن الخامس عشر والثالث عشر قبل الميلاد تقريبًا. لكن القصة التي نقرأها هنا تعود بنا إلى أزمنةٍ أقدم بكثير — إلى فجر التاريخ البشري كما رواه الآباء جيلًا بعد جيل. الجمهور الأول لهذا النص هم شعبٌ خارجٌ من عبودية مصر، حيث كانت حياة الإنسان تُقيَّم بحسب طبقته أو نفعه للفرعون. تخيّل الفرق: عبدٌ عبريّ في مصر، حياته لا تساوي شيئًا في نظر النظام. والآن يسمع هذا الشعب نفسه أن الله يقول: كل إنسان، أيًّا كان، يحمل صورتي.

كانت الحضارات المحيطة بإسرائيل قد كتبت قوانين تعاقب على القتل أيضًا، لكن غالبًا بحسب طبقة الضحية — فديةٌ ماليةٌ إن كان القتيل عبدًا، وعقوبةٌ أشدّ إن كان نبيلًا. أما هنا فالمبدأ واحدٌ للجميع، لأن الأساس ليس الطبقة الاجتماعية بل الصورة الإلهية المشتركة بين كل البشر. هذا كان أمرًا ثوريًّا في عالمٍ قديم قسّم الناس إلى درجات.

ولاحظ أيضًا أن هذه الوصية جاءت مباشرةً بعد أن أعطى الله لنوح إذنًا جديدًا: أكل اللحم (تكوين ٩:٣). في عالمٍ ما بعد الطوفان، حيث صار سفك الدم جزءًا من الحياة اليومية (حتى في الطعام)، احتاج الله أن يضع خطًّا واضحًا لا يُتجاوز: دم الحيوان يمكن أن يُسفك للطعام، لكن دم الإنسان مقدّس، ولا يجوز المساس به أبدًا [Keil-Delitzsch Old Testament Commentary](cite://s?id=keil-delitzsch). هذا الميثاق مع نوح هو ميثاقٌ للبشرية جمعاء، لا لإسرائيل وحده — ولهذا يظل صداه يتردد إلى اليوم في كل قانونٍ إنسانيّ يحرّم القتل.

## اللغة الأصلية

الفعل الذي يفتتح الآية هو שָׁפַךְ (shâphak، H8210)، ومعناه "يسكب" أو "يصبّ" — كأنك تسكب ماءً من إناء. هذا الفعل يُستخدم لسفك الدم لأنه يصوّر الحياة وهي تُراق كسائلٍ لا يمكن استرجاعه [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs). الدم بالعبرية דָּם (dâm، H1818) ليس مجرد سائل بيولوجي، بل هو حامل الحياة نفسها؛ ولهذا حين يُسفك دم إنسان، فالحياة ذاتها هي التي تُراق على الأرض ولا تعود [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs).

أما الكلمة الحاسمة في الآية فهي צֶלֶם (tselem، H6754)، وتعني "صورة" أو "تمثال" — كلمةٌ كانت تُستخدم في العالم القديم لتماثيل الملوك التي كانت تُنصب في الأقاليم البعيدة لتُذكّر الرعية بسلطان الملك الغائب [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs). حين يقول الله إن الإنسان صُنع على "صورته"، فهو يقول شيئًا مذهلاً: كل إنسان هو تمثالٌ حيّ يمثّل حضور الله وسلطانه في هذا العالم. ليس الملوك وحدهم من يحملون صورة الإله، بل كل إنسانٍ — الفقير والغني، القويّ والضعيف.

وكلمة "الله" هنا هي אֱלֹהִים (ʼĕlôhîym، H430)، الاسم العام لله المستخدم منذ الإصحاح الأول من التكوين، حيث قيل أول مرة إن الإنسان خُلق على صورته (تكوين ١:٢٦) [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs). والفعل عָשָׂה (ʻâsâh، H6213) يعني ببساطة "صنع" أو "عمل" — نفس الفعل المستخدم في وصف خلق الإنسان في الإصحاح الأول [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs). الرابط اللغوي متعمَّد: الله هنا يستحضر فعل الخلق الأول ليقول إن هذا الأمر لم يتغيّر رغم دخول الخطية والطوفان. أما "الإنسان" فهي אָדָם (ʼâdâm، H120)، الكلمة نفسها التي أُطلقت على آدم، وتعني الإنسان بشكلٍ عام، الفرد والجنس البشري كله معًا [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs). فحين تُقتل نفسٌ واحدة، فإن آدم نفسه — الإنسانية كلها — تتأذى.

## كيف تشير إلى المسيح

هذه الآية تضعك أمام سؤالٍ يظل معلّقًا حتى يجيب عنه المسيح: إن كان دم الإنسان يستحق دمًا مقابلًا، فماذا عن دم البشرية كلها الذي تلوّث بالخطية منذ آدم؟ من يدفع ذلك الثمن؟

فكّر في الأمر هكذا: الآية تقول إن حياة الإنسان المخلوق على صورة الله ثمينةٌ جدًّا لدرجة أن سفكها يستوجب سفك دمٍ آخر مقابلها. والآن انظر إلى الصليب: هناك، الدم الوحيد الذي كان يستحق أن يُدفع ثمنًا لكل الدماء المسفوكة ظلمًا منذ هابيل، هو دم المسيح نفسه — الإنسان الكامل الذي هو أيضًا "صورة الله غير المنظور" كما يصفه بولس (كولوسي ١:١٥). المسيح لم يكن مجرد إنسانٍ يحمل صورة الله بشكلٍ منقوص كبقيتنا، بل هو الصورة الكاملة، غير المشوَّهة.

والمفارقة العجيبة هي أن المسيح، البريء الوحيد الذي لم يسفك دمًا قط، هو من سُفك دمه ظلمًا على يد أيدي البشر — ليصير بذلك دمه هو الكفّارة عن كل دمٍ سُفك وكل دمٍ نسفكه نحن بخطايانا. الآية تقول "بالإنسان يُسفك دمه"، وعلى الصليب سفك الإنسان دم الإنسان — لكن هذه المرة لم يكن ذلك انتقامًا بل فداءً. المسيح حمل حكم هذه الآية على نفسه ليكسر دائرة الدم بالدم إلى الأبد لمن يؤمن به.

ولهذا حين يقول يسوع لتلميذه "رُدَّ سيفك... لأن كل الذين يأخذون السيف بالسيف يهلكون" (متى ٢٦:٥٢)، فهو لا يُلغي مبدأ العدالة، بل يكشف أن طريق المسيح ليس طريق الانتقام الشخصي، بل طريق الصليب الذي يحمل هو نفسه ثمن كل دمٍ مسفوك. وفي سفر الرؤيا ١٣:١٠ يتردد الصدى نفسه: "من يقتل بالسيف فينبغي أن يُقتل بالسيف" — تذكيرٌ بأن عدل الله لن يُهمَل، حتى لو صبر القديسون طويلًا قبل أن يروه يتم.

## التطبيق

دعني أسألك سؤالًا صريحًا: هل ما زلت تُقيّم قيمة الإنسان الذي أمامك بحسب ما ينفعك، أو بحسب مظهره، أو دينه، أو جنسيته، أو حتى بحسب مدى إزعاجه لك؟ هذه الآية تكسر كل تلك المقاييس بجملةٍ واحدة: كل إنسان يحمل صورة الله. ليس المؤمن فقط، ولا القريب منك فقط، بل الغريب الذي يزعجك في الطريق، والعامل الذي تتجاهله، والشخص الذي اختلفتَ معه سياسيًّا حتى صرت تراه "عدوًّا" لا إنسانًا.

القتل الذي تتكلم عنه هذه الآية ليس فقط السكين أو الرصاصة. يسوع نفسه وسّع الدائرة حين قال إن الغضب على أخيك يجعلك مستحقًّا للدينونة (متى ٥:٢١-٢٢). فكّر في كل مرة ألغيتَ فيها إنسانًا من قلبك — بكلمةٍ قاسية، باحتقارٍ صامت، بتجاهلٍ متعمَّد. أنت لم تسفك دمًا، لكنك ربما أهنت صورة الله فيه. يعقوب يقول ذلك بوضوحٍ صادم: كيف نبارك الله بأفواهنا، ثم نلعن إنسانًا خُلق على شبهه (يعقوب ٣:٩)؟

الثمن الذي تطلبه هذه الآية منك اليوم ليس نظريًّا. هو أن تنظر إلى أشدّ الناس اختلافًا عنك، أو أشدهم إساءةً إليك، وتقول بصدقٍ: هذا الإنسان يحمل صورة الله، وأنا لا أملك حق التقليل منه. هذا يشمل كيف تتكلم عن الآخرين خلف ظهورهم، كيف تعامل من يخدمك، وكيف تصوّت وتفكّر في قضايا العدالة والحياة من حولك.

والأعمق من ذلك: إن كنتَ تحمل في قلبك دمًا لم يُغسل — إساءةً فعلتَها، أو أذى تسبّبتَ به لأحدٍ لم يعرف قيمته عندك — فهذه الآية لا تدينك فقط، بل تقودك إلى الصليب، حيث الدم الوحيد الذي يستطيع أن يغسل دمًا هو دم من صار هو نفسه "الإنسان" الحقيقي من أجلك.

## نقاط للصلاة

- يا رب، افتح عينيّ لأرى صورتك في كل إنسانٍ ألتقيه اليوم، حتى من أختلف معه أو يزعجني.
- يا رب، اغفر لي كل مرةٍ احتقرتُ فيها إنسانًا بكلامي أو بصمتي أو بتجاهلي.
- أشكرك يا يسوع لأنك حملتَ ثمن كل دمٍ مسفوك، وسفكتَ دمك أنت لأجل خلاصي.
- امنحني قلبًا يحترم الحياة البشرية في كل صورها — الجنين، الغريب، العدو، الضعيف.
- علّمني أن أطلب العدالة دون أن أتحوّل إلى قاضٍ ومنتقمٍ في قلبي.

## تأمّلات

- من هو الشخص الذي أجد صعوبةً في رؤية صورة الله فيه؟ لماذا بالتحديد؟
- هل هناك من "قتلتُه" بكلامي أو غضبي أو تجاهلي، حتى دون أن أرفع يدي عليه؟
- كيف تتغيّر نظرتي للعدالة والعقاب لو تذكّرتُ أن الله نفسه، لا القانون فقط، هو من وضع قيمة الحياة البشرية؟
- هل أُقيّم قيمة الناس من حولي بحسب نفعهم لي، أم بحسب كونهم صورة الله؟
- حين أنظر إلى الصليب، هل أرى فيه ثمن دمي أنا، أم فقط قصةً سمعتُها مرارًا؟

---

https://dewfall.app/ar/read/svd:1:9:6
