# المزامير ٨٨:١ (الكتاب المقدس - ترجمة فان دايك)

> يَا رَبُّ إِلهَ خَلاَصِي، بِالنَّهَارِ وَاللَّيْلِ صَرَخْتُ أَمَامَكَ،

## ما معناها

انظر إلى أول كلمةٍ في هذا المزمور: «يا رب». ليست شكوى تبدأ بالألم، بل نداءٌ يبدأ باسم الله. ثم يضيف المرنّم لقبًا عجيبًا: «إله خلاصي». عجيبٌ لأن هذا المزمور، كما ستكتشف إن قرأته كاملًا، هو أحلك مزمورٍ في كل المزامير — لا ينتهي بفرحٍ أو رجاء، بل بظلامٍ صريح: «أصحابي وأقربائي بعُدوا عني بسبب الضربة، والمعارف صاروا في الظلمة». ومع ذلك، فالكلمة الأولى التي يتفوّه بها ليست تعبيرًا عن اليأس، بل اعترافٌ بأن الله هو مصدر الخلاص، حتى وهو لا يشعر بأي أثرٍ لذلك الخلاص [Matthew Henry Bible Commentary](cite://s?id=matthew-henry).

ثم يقول: «بالنهار والليل صرخت أمامك». هذه ليست صرخةً واحدة عابرة، بل صراخٌ متواصل، مستمر، لا يهدأ مع الليل ولا يخفت مع النهار. في الأصل العبري هناك دقةٌ يسهل تفويتها في الترجمة: العبارة تعني أنه في وقت النهار كان يصرخ، وفي الليل كانت صلاته أمام الله [Keil-Delitzsch Old Testament Commentary](cite://s?id=keil-delitzsch) — أي أن الصلاة لم تنقطع لحظة، بل كانت حالةً مستمرة، لا فعلًا يُمارَس أحيانًا.

هذا المزمور يقع في السِّفر الثالث من المزامير، مجموعة مزامير بني قورح وهيمان، وهو من أكثر النصوص صدقًا في كل الكتاب المقدس لأنه لا يُزيّن الألم ولا يُسرع إلى حلٍّ سعيد. لا يوجد اختلافٌ مذهبيّ كبير حول تفسير هذه الآية بعينها بين التقاليد المسيحية؛ الجميع يتفقون أنها صرخة إيمانٍ صادقة في وسط عتمةٍ حقيقية — لكن الفارق يظهر أحيانًا في كيفية قراءة المزمور كله: هل هو صوت مؤمنٍ فردٍ يائس، أم صدى نبويّ لآلام المسيح نفسه؟ سنعود لهذا في قسم المسيح.

## السياق التاريخي

عنوان هذا المزمور في النص العبري (وهو جزءٌ من الآية الأولى في الأصل، وإن لم يظهر في ترجمتنا) يقول: «مزمورٌ لبني قورح، لمُغَنِّي رئيس الجواب على مَحَلَة، تعليمٌ لهيمان الأزراحي». هذا يعني أن للمزمور طبقتين: مؤلّفه الأصلي هيمان الأزراحي [Tyndale Open Study Notes](cite://s?id=tyndale)، وحافظته أو مُصنِّفته عائلة بني قورح، اللاويون الذين كانوا مسؤولين عن الترنيم في هيكل الله.

مَن هو هيمان هذا؟ الأرجح أنه أحد الحكماء أو المرنّمين الذين عاصروا داود وسليمان، وقد ورد اسمه في سِفر الملوك الأول (٤:٣١) كواحدٍ من أعظم حكماء ذلك الزمان، وربما كان أيضًا من عائلة اللاويين المكلَّفين بالترنيم في خيمة العهد وبعدها الهيكل (كما في أخبار الأيام الأول ١٥:١٧). فالزمن التقريبي لكتابة هذا المزمور يعود إلى القرن العاشر قبل الميلاد، في أيام المملكة الموحّدة، وإن كان تجميع كتاب المزامير النهائي — بما فيه هذا المزمور ضمن السِّفر الثالث — قد تمّ لاحقًا، أثناء أو بعد السبي البابلي، حين احتاج الشعب إلى كلماتٍ تصف يأسًا لا يُنكَر.

كلمة «مَحَلَة» في العنوان (מַחֲלַת) تعني على الأرجح عنوان لحنٍ شعبيٍّ معروف كانت الكلمات تُغنّى على وزنه، وربما يرتبط جذرها بكلمة «مرض» أو «ضعف»، وكأن اللحن نفسه كان لحن نُواحٍ. أما وصف «مَشْكِيل» فيعني قصيدةً تعليمية، أي أن هذا المزمور لم يُكتب فقط للتعبير عن ألمٍ شخصي، بل ليُعلِّم الجماعة كلها كيف تصلّي في أحلك أيامها.

تخيّل الآن الحياة في ذاك العالم: لا مستشفيات، لا علمٌ نفسي، لا وسائل تخفيف. المرض الشديد، أو الاضطهاد، أو العزلة الاجتماعية، كانت تعني اقترابًا حقيقيًّا من الموت وحافّته. حين كان أحدهم يشعر أن الله نفسه قد أخفى وجهه، لم يكن أمامه سوى شيءٍ واحد: أن يستمر في الصراخ، نهارًا وليلًا، أمام باب السماء، حتى لو بدا الباب مغلقًا.

## اللغة الأصلية

كلمتان تحملان ثقل هذه الآية. الأولى: יְשׁוּעָה (yeshûʻāh)، H3444، وتعني «خلاصًا» أو «نجاةً»، وهي مأخوذة من الفعل «يَشַע» الذي يعني أن يُنجِّي أو يُخلِّص [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs). هذه الكلمة نفسها هي جذر اسم «يشوع»، الذي صار في اليونانية «يسوع». فحين يقول المرنّم «إله خلاصي»، فهو يستخدم الكلمة العبرية التي ستحمل بعد قرونٍ اسمًا شخصًا: يسوع، أي «الرب يُخلِّص». هذا ليس مجرد لقبٍ لله، بل اسمٌ ينتظر أن يتجسّد في شخص.

الثانية: צָעַק (tsāʻaq)، H6817، وتعني أن يصرخ أو يشهق بصوتٍ عالٍ، وقد تُستعمل أيضًا بمعنى إعلان استدعاءٍ أو نداء جماعة [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs). هذه ليست صلاةً هادئة، منظّمة، مهذّبة؛ إنها صوتٌ ينفجر من ألمٍ لا يُطاق، كصرخة من يغرق. اختيار هذا الفعل بالذات يخبرك أن المرنّم لم يكن يتحدث بأدب مع الله، بل كان يشهق أمامه.

أما اسم الله المزدوج في مطلع الآية، יְהֹוָה (Yehôvāh) H3068، الاسم الشخصي لله المرتبط بعهده مع شعبه، و אֱלֹהִים (ʼĕlôhîym) H430، وهو الاسم الأعم الذي يصف قوّته وسموّه كخالقٍ عظيم [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs) — فحين يجمع المرنّم بين الاثنين، فهو يقول بصوتٍ واحد: «أنت أيها القدير الذي يفوق كل قوة، وأنت أيضًا الحاضر الذي عاهدني وعرفني باسمي». هذا الجمع نفسه هو ما يجعل الصراخ في الآية ممكنًا: لا يصرخ المرء إلى قوةٍ بعيدة، بل إلى شخصٍ عهد نفسه له.

## كيف تشير إلى المسيح

مزمور ٨٨ فريد بين كل المزامير لأنه الوحيد الذي لا ينتهي بكلمة رجاء أو تسبيح؛ ينتهي حرفيًّا بكلمة «الظلمة». ومع ذلك تبدأ الآية الأولى بنداءٍ إلى «إله خلاصي». هذا التناقض — إيمانٌ يصرخ في عتمةٍ لا تنقشع — هو أقرب ما يكون إلى صوت المسيح في ساعته الأخيرة.

في جبل الزيتون، صرخ يسوع أيضًا نهارًا وليلًا في صلاته، وكان عرقه كقطرات دمٍ يتصبّب أرضًا (متى ٢٦:٣٨-٣٩)، وعلى الصليب صرخ بصوتٍ عظيم مستعيرًا كلمات مزمورٍ آخر من هذه المجموعة نفسها: «إلهي، إلهي، لماذا تركتني؟» (متى ٢٧:٤٦، ومزمور ٢٢:١-٢، الذي يستخدم نفس صيغة «بالنهار أدعو... في الليل أدعو»). فالمسيح لم يكتفِ بأن يقرأ هذا النوع من المزامير، بل عاشه بالكامل: صرخ إلى الله بلا توقف، وواجه ظلامًا حقيقيًّا لم يُخفِّفه أحد، ومع ذلك ظلّ يدعو الله «إلهي» [John Gill Bible Commentary](cite://s?id=john-gill).

هذا يعني أن مزمور ٨٨ ليس فقط صرخة إنسانٍ متألم قديم، بل نبوءةٌ حيّة عن نوع الألم الذي سيحمله المسيح نفسه حين يحمل خطايانا: عزلة، صمت السماء الظاهري، غياب أي كلمة تعزية حتى النهاية. والفارق الوحيد أن يسوع، خلافًا لهيمان، خرج من ذاك الظلام بقيامةٍ، وحوّل صرخة اليأس إلى أساس رجاء كل من يصرخ بعده. فحين تقرأ هذه الآية، أنت لا تقرأ فقط شعورًا مألوفًا، بل تقف عند حافة ما سيعيشه الرب نفسه من أجلك، ليكون هو حقًّا «إله خلاصك» لا باللقب فقط، بل بالفعل الكامل.

## التطبيق

ثمّة لحظاتٌ في حياتك لن تشعر فيها بأي أثرٍ لخلاص الله — لا سلام، لا نور، لا جوابٌ سريع. هذه الآية لا تطلب منك أن تشعر بالخلاص لتنادي الله «إله خلاصي». هي تعلّمك أن تنطق الحقيقة بإيمانٍ حتى قبل أن يلمسها شعورك. هذا فارقٌ كبير عن التدين السطحي الذي يربط كلامنا عن الله بمشاعرنا فقط.

الثمن الذي تطلبه هذه الآية منك واضحٌ ومحدَّد: أن تستمر في الصراخ حتى حين لا يأتي جواب. «بالنهار والليل» ليست عبارة شعرية فقط؛ هي دعوة إلى صلاةٍ لا تتوقف مع تعب اليوم ولا مع سواد الليل. كثيرون يتركون الصلاة حين لا يجدون جوابًا سريعًا، لأنهم يظنون أن الصلاة صفقة: أطلب فأُستجاب فورًا، وإن لم يحدث ذلك أتوقف. لكن هيمان يعلّمك شكلًا آخر من الإيمان: صرخةً تستمر لأنها لا تعتمد على النتيجة، بل على من تُوجَّه إليه.

اسأل نفسك بصدق: هل هناك ألمٌ في حياتك تعبت من الصلاة بشأنه لأن الله بدا صامتًا؟ هذه الآية تدعوك أن لا تتوقف، لا لأن الصمت سيتحوّل بالضرورة إلى جوابٍ فوري، بل لأن العلاقة بالله ليست معاملة تجارية، بل صرخة ابنٍ إلى أبيه، حتى في الغرفة المظلمة. الشجاعة الحقيقية ليست أن تُخفي ألمك أو تتظاهر بالرضا، بل أن تحمله كاملًا إلى حضرة الله وتُلقيه أمامه، وتستمر في ذلك حتى لو استمر الليل أطول مما توقعت.

## نقاط للصلاة

- يا رب، إله خلاصي، أعترف أنني أحيانًا أش

---

https://dewfall.app/ar/read/svd:19:88:1
