# المزامير ٧٤:١ (الكتاب المقدس - ترجمة فان دايك)

> لِمَاذَا رَفَضْتَنَا يَا اَللهُ إِلَى الأَبَدِ؟ لِمَاذَا يُدَخِّنُ غَضَبُكَ عَلَى غَنَمِ مَرْعَاكَ؟

## ما معناها

هذه الآية صرخة، لا سؤال هادئ يبحث عن معلومة. صاحب المزمور يواجه الله مباشرة بكلمتين ثقيلتين: "لماذا رفضتنا؟" و"لماذا يُدخِّن غضبك؟". لاحظ أنه لا يسأل عن سبب المصيبة نفسها، بل يسأل عن سبب استمرارها "إلى الأبد" — وكأن الألم الذي يحتمل تفسيره صار غير محتمل حين طال أمده. والصورة الثانية أعمق مما تبدو: "يُدخِّن غضبك" ليست مجرد تعبير شعري عن الغيظ، بل صورة مأخوذة من نار تحترق وتُطلق دخانًا كثيفًا يخنق كل من حولها — غضبٌ ظاهرٌ للعيان، يراه الأعداء، وتشمّه رائحته الشعب المهزوم [Matthew Henry Bible Commentary](cite://s?id=matthew-henry). والأهمّ: هو يسمي نفسه "غنم مرعاك" — أي أنه رغم كل هذا الغضب، ما زال يتمسك بالانتماء. لم يقل "غنمًا"، بل "غنم مرعاك"، مذكّرًا الله بعلاقة الرعاية القديمة حتى وهو يشكو من غيابها. هذا المزمور يقع في سياق نكبة كبرى — تدمير الهيكل — وهو يفتتح سلسلة من الأسئلة المؤلمة التي لا تجد جوابًا فوريًا داخل المزمور نفسه، بل تنتهي بمناشدة الله أن يتذكّر عهده (المزامير ٧٤:٢٠). المسيحيون عمومًا لا يختلفون كثيرًا في فهم هذه الآية الحرفي، لكنهم يختلفون في كيفية استخدامها: البعض يراها نموذجًا مشروعًا للشكوى الصادقة أمام الله، والبعض الآخر يحذّر من أن نأخذ "الرفض الأبدي" كحقيقة لاهوتية بدل أن نفهمها كصرخة إنسان في لحظة ظلام، لا حكمًا نهائيًا [John Gill Bible Commentary](cite://s?id=john-gill).

## السياق التاريخي

هذا المزمور يُنسب إلى "آساف" H623، لكن الغالب أنه لا يعني آساف نفسه (معاصر داود) بل بني آساف، عائلة المرنّمين التي حملت اسمه لأجيال [Keil-Delitzsch Old Testament Commentary](cite://s?id=keil-delitzsch). والدليل الداخلي على ذلك واضح: المزمور يتحدث عن هيكلٍ محروق، مقدسٍ مدنّس، أعداء يهتفون داخل بيت الله نفسه — وهذا لم يحدث في زمن داود، بل حدث سنة ٥٨٦ ق.م حين هجم جيش نبوخذنصر البابلي على أورشليم، هدم الهيكل الذي بناه سليمان، وأحرقه بالنار، وسبى الشعب إلى بابل [Tyndale Open Study Notes](cite://s?id=tyndale). تخيّل المشهد: حجارة الهيكل التي كانت رمز حضور الله بينهم أصبحت أنقاضًا مدخّنة، الكهنة قُتلوا أو سُبوا، والأعداء يصرخون منتصرين في الساحة التي كانت مقدسة. هذا ليس مجرد خسارة مبنى — بل انهيار كل ما كان الشعب يظن أنه ضمانة حضور الله معهم. لهذا يستخدم المزمور كلمة "مَشْكِيل" H4905 في العنوان، وهي قصيدة تعليمية، أي أن هذا الألم لم يُكتب فقط ليُبكى، بل ليُعلَّم منه الأجيال القادمة كيف تصرخ بصدق أمام الله في وسط الخراب [Matthew Henry Bible Commentary](cite://s?id=matthew-henry). الشعب هنا ليس في حرب يخوضها، بل في أسرٍ وذلٍّ، يتساءل: هل انتهى العهد؟ هل صار الرب عدوًا بدل أن يكون راعيًا؟ هذا السؤال لم يكن ترفًا فكريًا، بل كان سؤال بقاء أمة بأكملها.

## اللغة الأصلية

الفعل "رفضتنا" في العبرية هو زَنَح (zânach) H2186، ومعناه الأصلي "دفعَ جانبًا" أو "طرح بعيدًا" — ليس رفضًا باردًا فقط، بل حركة يدٍ تدفع شيئًا عن قصد. حين يستخدمه صاحب المزمور بصيغة الماضي، فهو يصف فعلًا حدث بالفعل، لكنه يسأل بصيغة أخرى، "نِتساح" — من الجذر نِصَح (netsach) H5331، وهو يعني في الأصل "الهدف البعيد" أو "نقطة أبعد ما يمكن الوصول إليه"، ومنه جاء معنى "الدوام" أو "الاستمرار إلى الأبد" [Keil-Delitzsch Old Testament Commentary](cite://s?id=keil-delitzsch). فالسؤال ليس فقط "هل رفضتنا؟" بل "هل هذا الرفض ممتدٌّ حتى أبعد نقطة يمكن تخيّلها، بلا نهاية؟". أما "غضبك" فهو أَف (ʼaph) H639، وأصله يعني الأنف أو فتحتي الأنف — لأن الغضب الشديد عند القدماء كان يُوصف بحرارة النَفَس المتصاعد من الأنف، وهذا يفسر لماذا يقترن هنا بالفعل عاشَن (ʻâshan) H6225، أي "يُدخِّن" — صورة نارٍ مشتعلة تصعد منها أعمدة الدخان بلا توقف. والصورة الأخيرة الحانية وسط كل هذا الاحتراق: "غنم مرعاك" — تسآن (tsôʼn) H6629 وميرعيت (mirʻîyth) H4830، الأخيرة مشتقة من الفعل "رَعَى"، وتعني تحديدًا القطيع الذي يرعاه راعٍ يعرفه ويقتاده. هذا التعبير بالذات، "غنم مرعاك"، تعبير يتكرر في نصوص آساف وإرميا [Keil-Delitzsch Old Testament Commentary](cite://s?id=keil-delitzsch)، وهو يجعل السؤال أكثر إيلامًا: كيف يشتعل غضب الراعي نفسه على غنمه؟

## كيف تشير إلى المسيح

هذه الصرخة "لماذا رفضتنا؟" ليست غريبة عن فم المسيح نفسه. على الصليب صرخ يسوع بكلمات تشبه هذا المزمور تمامًا في روحها: "إلهي إلهي لماذا تركتني؟" (متى ٢٧:٤٦) — وهو اقتباس من مزمور آخر (٢٢)، لكنه يحمل نفس الألم الوجودي الذي في مزمورنا: أن يشعر ابن العهد بأن الله قد ابتعد في أشد لحظات الحاجة إليه [Matthew Henry Bible Commentary](cite://s?id=matthew-henry). المسيح احتمل هذا "الرفض" الظاهري حتى النهاية، لا لأن الآب رفضه فعلاً إلى الأبد، بل لأنه حمل غضب الله على الخطية نيابة عن الشعب الذي كان يستحق أن "يُدخِّن" الغضب عليه بسبب خطاياه [Tyndale Open Study Notes](cite://s?id=tyndale). وهنا تكتمل الصورة الأخرى في الآية: "غنم مرعاك". العهد القديم يصف الشعب بأنه غنم الله (المزامير ١٠٠:٣، حزقيال ٣٤:٣١)، لكن هذه الغنم كانت بلا راعٍ حقيقي يحميها من الذبح، حتى جاء يسوع وقال عن نفسه إنه الراعي الصالح الذي يبذل نفسه عن الخراف (يوحنا ١٠:١١). في مزمورنا، الغنم تسأل لماذا يغضب الراعي، لكن في المسيح، الراعي نفسه يأخذ الغضب على نفسه بدل الغنم. والوعد الذي يوازي هذه الصرخة القديمة نجده في كلام يسوع: "لا تخف أيها القطيع الصغير، لأن أباكم قد سرّ أن يعطيكم الملكوت" (لوقا ١٢:٣٢) — إجابة نهائية على سؤال "هل رفضتنا إلى الأبد؟": لا، بل سُرّ أن يُعطيكم كل شيء.

## التطبيق

ربما تكون الآن في مكان يشبه هذا المزمور تمامًا: شيء في حياتك احترق، وأنت تشمّ الدخان كل يوم، وتتساءل بصدق: "إلى متى يا رب؟ هل تركتني نهائيًا؟". هذه الآية تعطيك إذنًا مقدسًا لتقول هذا الكلام لله بصوتٍ مرتفع، لا أن تكتمه خوفًا من "قلة الإيمان". صاحب المزمور لم يهرب من الله في ألمه، بل ركض نحوه واشتكى في وجهه — وهذا فعل إيمان، لا نقيضه. لكن لاحظ التفصيل الدقيق: حتى وهو يشكّ في محبة الله، لم يقل "غنمك" فقط، بل "غنم مرعاك" — تمسّك بالعلاقة وهو يشكّ في مظهرها. هذا هو الثمن الذي تطلبه هذه الآية منك: أن تصدق مع الله في وجعك، دون أن تفلت يدك من يده. كثيرون يهربون من الله حين يغضب عليهم، أو يظنون أنه غضب، فيبتعدون بصمت مؤدب. المزمور يرفض هذا الهروب المهذب، ويصرّ على المواجهة الصادقة. جرّب هذا الأسبوع: بدل أن تكتم سؤالك المؤلم عن الله، اكتبه كما هو، بكل حدّته، وقدّمه له كصلاة، لا كتذمر خلف ظهره. وتذكّر أن هذا السؤال بالذات صرخ به يسوع نفسه على الصليب، ولم يكن جوابه صمت الأبد، بل قيامة في اليوم الثالث. غضب الله ليس آخر كلمة على شعبه أبدًا — لكنه يريدك أن تصرخ إليه بصدق حتى تصل إلى تلك النهاية.

## نقاط للصلاة

- يا رب، أعترف أنني أحيانًا أشعر أنك رفضتني أو تركتني، وأطلب منك أن تعلّمني كيف أصرخ إليك بصدق بدل أن أهرب منك بصمت.
- يا راعي نفسي، ذكّرني أنني ما زلت من غنم مرعاك حتى في أحلك أوقاتي، ولست وحيدًا في هذا الألم.
- اغفر لي خطاياي التي أثارت غضبك، وامنحني قلبًا تائبًا لا يخاف من مواجهة سبب البُعد الحقيقي.
- يا يسوع، يا من صرخت على الصليب صرختي نفسها، ثبّتني في رجاء أن غضب الله لا يدوم إلى الأبد لمن يثق بك.
- أطلب منك يا رب أن تُقيم ما انهدم في حياتي، كما وعدت أن تبني وترمّم بيتك من جديد.

## تأمّلات

- هل هناك ألم في حياتك تخاف أن تقوله لله بصراحة كما قاله صاحب هذا المزمور؟ لماذا تخاف؟
- حين تشعر أن الله "غاضب" أو بعيد، هل تهرب أم تقترب مثل هذا المرنم الذي واجهه مباشرة؟
- ما الفرق بين أن تشكّ في محبة الله وتصرخ إليه، وبين أن تشكّ فيها وتبتعد عنه بصمت؟
- كيف تُغيّر معرفتك أن يسوع نفسه صرخ بسؤال مشابه على الصليب طريقة تعاملك مع أسئلتك المؤلمة لله؟
- ما الذي يعنيه لك عمليًا أن تكون "من غنم مرعاه" هذا الأسبوع، وسط ما تمر به من ضيق؟

---

https://dewfall.app/ar/read/svd:19:74:1
