# المزامير ٦:٨ (الكتاب المقدس - ترجمة فان دايك)

> اُبْعُدُوا عَنِّي يَا جَمِيعَ فَاعِلِي الإِثْمِ، لأَنَّ الرَّبَّ قَدْ سَمِعَ صَوْتَ بُكَائِي.

## ما معناها

هذه الآية نقطة تحوّل مفاجئة. اقرأها في سياقها: من الآية الأولى إلى السابعة، داود غارقٌ في البكاء، جسده منهك، فراشه يطفو بدموعه، وهو يشعر أن الله غاضبٌ عليه ويكاد يستسلم لليأس. ثم فجأةً، في الآية الثامنة، ينقلب الكلام كليًّا: من التوسّل الخافت إلى أمرٍ حازم: «اُبعدوا عنّي». لم يعد يتحدّث إلى الله، بل يلتفت إلى أعدائه ويطردهم من حضرته [Jamieson-Fausset-Brown](cite://s?id=jamieson-fausset-brown).

ما يسهل تفويته هو *سبب* هذه الجرأة المفاجئة. هو لم يقل «اُبعدوا عنّي» لأن ظروفه تغيّرت، ولا لأن مرضه شُفي، ولا لأن أعداءه انهزموا فعليًّا. بل قال ذلك لأنه *سمع* شيئًا في داخله: «لأن الرب قد سمع صوت بكائي». تغيّر يقينه لا واقعه. هذا مهم جدًّا: الإيمان هنا ليس نتيجة رؤية الحل، بل ثقة أن الله سمع الأنين قبل أن يظهر الحل [Matthew Henry Bible Commentary](cite://s?id=matthew-henry).

لاحظ أيضًا الترتيب: هو يذكر «فاعلي الإثم» بصيغة الجمع، وكأنه محاطٌ بهم من كل جانب — أعداء علنيون، أو ربما أناس حوله يستغلّون ضعفه ويشمتون به. تفسيرات المسيحيين تتفاوت هنا قليلًا: بعضهم يرى أن هؤلاء أعداء داود الفعليين (كأتباع أبشالوم أو شاول)، وبعضهم يرى فيهم صورةً لكل من يقف ضد شعب الله ويتصيّد سقطاتهم [John Gill Bible Commentary](cite://s?id=john-gill). لكن الاتفاق واضح: هذا المزمور، الذي بدأ بصرخة ضعف، ينتهي بصوت انتصار داخلي، لا خارجي بعد. وهذا نمط متكرر في المزامير: الشكوى تتحول إلى ثقة قبل أن يتغيّر الظرف فعليًّا.

## السياق التاريخي

هذا المزمور من مزامير داود، وهو، بحسب العنوان في النص العبري، مزمورٌ للإمام على "ذوات الأوتار على القرار الثامن" — إشارة موسيقية تدلّ على أنه كان يُنشد بلحنٍ منخفض وعميق، ربما يناسب ثقل الحزن فيه. لا نعرف بالضبط أي أزمة في حياة داود أنتجت هذا المزمور: هل كان مرضًا جسديًّا حقيقيًّا أوهنه حتى بلّل فراشه بدموعه؟ أم كان مرضًا رمزيًّا لضيقٍ روحيّ عميق، إحساسًا بغضب الله بسبب خطية اقترفها؟ التقليد اليهودي والمسيحي القديم غالبًا ما ربطه بأوقات هروب داود من أبشالوم ابنه، أو من ملاحقة شاول له، حين كان محاطًا بمن يتربصون به ويتمنون سقوطه.

المهم أن نتخيّل عالم داود: رجلٌ كان ملكًا، لكنه عاش سنواتٍ طويلة هاربًا في الكهوف والبراري، محاطًا بخونة، يسمع كل يوم من يقول له "أين إلهك الآن؟". في ذلك العالم، لم يكن المرض أو الضيق أمرًا خاصًّا فرديًّا فحسب، بل كان يُقرأ اجتماعيًّا كعلامة على غضب الله أو خذلانه. لهذا كان أعداء داود يستغلّون ضعفه، لا ليشفقوا عليه، بل ليُثبتوا أن الله تخلّى عنه [John Gill Bible Commentary](cite://s?id=john-gill).

يُعتقد أن هذا المزمور كُتب في القرن العاشر قبل الميلاد تقريبًا، في زمن مملكة إسرائيل الموحدة، حين كان داود إما شابًّا هاربًا قبل الملك أو ملكًا يواجه تمرّدًا داخليًّا من بيته. المزمور استُخدم لاحقًا في العبادة الجماعية لإسرائيل، وأصبح واحدًا من "مزامير التوبة السبعة" في التقليد الكنسي القديم — يُقرأ في أوقات الحزن على الخطية والمرض معًا، لأن العالم القديم لم يفصل غالبًا بين الاثنين. تخيّل جماعة كاملة تُنشد هذه الكلمات في الهيكل لاحقًا، وهي تعرف أن هذه الكلمات وُلدت من دموعٍ حقيقية، لا من تنظيرٍ لاهوتي بارد.

## اللغة الأصلية

الكلمة الأولى المهمة هي **סוּר** (çûwr، H5493)، وتعني "أن ينحرف أو يبتعد". هي فعل أمرٍ حاد، يشبه من يشير بيده ويقول "ابتعد الآن!". داود لا يطلب بلطف، بل يصدر أمرًا [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs).

ثم نجد **פָּעַל** (pâʻal، H6466)، الفعل الذي يعني "أن يفعل أو يمارس بانتظام"، وهو أصل كلمة "فاعلي". هذا يهمّ جدًّا: النص لا يتحدث عن من أخطأ مرة، بل عمّن يمارس الشر كعادة ونمط حياة، كصنعة يتقنها [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs). أما **אָוֶן** (ʼâven، H205)، فمعناها الأصلي "الفراغ" أو "العدم"، وتُترجم "إثم"، لكنها تحمل أيضًا معنى "الباطل" و"التعب الذي لا يُثمر" [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs). فمن يفعل الإثم، بحسب هذه الكلمة، يُتعب نفسه في شيءٍ لا قيمة له في النهاية — صورة قوية عن الخطية كطاقةٍ مبذولة في الفراغ.

أما القلب اللاهوتي للآية فهو الاسم **יְהֹוָה** (Yᵉhôvâh، H3068) — الاسم الشخصي لله، "الكائن الأزلي بذاته"، الاسم الذي أعطاه الله لموسى عند العليقة [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs). داود لا يقول "الله سمع" بصيغة عامة، بل يستخدم الاسم الخاص، اسم العهد، الاسم الذي يعني "أنا الحاضر معكم دائمًا".

وأخيرًا الفعل **שָׁמַע** (shâmaʻ، H8085)، "سمع"، لكنه ليس مجرد سمعٍ سلبي، بل سمعٌ يتضمّن الانتباه والاستجابة الفعلية [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs). مقترنًا بـ **קוֹל** (qôwl، H6963، "صوت") و**בְּכִי** (Bᵉkîy، H1065، "بكاء" أو حتى "قطرات تسيل") [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs)، تصبح الجملة: الرب لم يسمع كلمات مرتّبة، بل سمع صوت الدموع نفسها وهي تسقط.

## كيف تشير إلى المسيح

هذه الآية تمتدّ خيوطها إلى المسيح بطريقتين مذهلتين.

الأولى: كاتب الرسالة إلى العبرانيين يصف يسوع نفسه وهو "قدّم بصراخ شديد ودموع طلبات وتضرعات للقادر أن يخلّصه من الموت... وسُمع له من أجل تقواه" (العبرانيين ٥:٧). يسوع، في جثسيماني، عاش هذه الآية بجسده. لم يكن بعيدًا عن دموع داود؛ بل احتضنها وحملها إلى أعمق نقطة، حين صرخ إلى الآب وهو يواجه الصليب. فإذا كان داود يثق أن الله يسمع بكاءه، فالمسيح هو البرهان الأعظم أن الآب يسمع فعلًا صراخ أولاده المتألمين.

الثانية، وهي الأخطر: عبارة "اُبعدوا عنّي يا جميع فاعلي الإثم" يستخدمها يسوع نفسه حرفيًّا في متى ٧:٢٣ وفي متى ٢٥:٤١ ولوقا ١٣:٢٧، حين يصف يوم الدينونة الأخير. الملك الآتي، يسوع، سيقف يومًا ويقول لأولئك الذين ادّعوا معرفته دون أن يحيوا بحسب مشيئته: "اذهبوا عنّي يا فاعلي الإثم!". هنا يصبح داود، الملك الآدمي، صورةً مسبقة (نموذجًا أوليًّا) للملك الحقيقي الآتي [John Gill Bible Commentary](cite://s?id=john-gill). ما قاله داود بثقةٍ جزئية مؤقتة، في وسط أعدائه الأرضيين، سيقوله المسيح بسلطانٍ نهائي كامل في نهاية الدهر.

فالآية إذن ليست مجرد لحظة عاطفية عابرة في حياة ملكٍ قديم؛ هي نافذة على حقيقتين تلتقيان في المسيح: أن الله يسمع صوت الدموع الحقيقية مهما بدا صامتًا، وأن هناك يومًا ستُقال فيه هذه الكلمات نفسها بسلطانٍ أبديّ لا رجعة فيه.

## التطبيق

كم مرة بكيتَ ولم تشعر أن أحدًا سمع؟ ليس فقط الناس من حولك — بل شعرت أن السماء نفسها صامتة، أن دموعك تتبخر في الفراغ دون أن تصل إلى أذن أحد؟ هذا بالضبط المكان الذي بدأ منه داود هذا المزمور. لكنه لم يبقَ هناك.

ما يلفتني في هذه الآية أنها لا تأتي بعد أن تغيّرت الظروف. مرضه لم يُشفَ بعد، وأعداؤه لم يُهزموا بعد. الشيء الوحيد الذي تغيّر هو يقينه الداخلي: "لأن الرب قد سمع صوت بكائي". هذا تحدٍّ مباشر لك اليوم: هل تنتظر أن يتغيّر ظرفك لتثق بالله، أم تستطيع أن تثق به الآن، وسط الدموع نفسها، لأنك تعرف طبيعته لا لأنك ترى الحل؟

والثمن هنا ليس هيّنًا. داود لم يكتفِ بالثقة الداخلية؛ ترجمها إلى فعلٍ خارجي: طرد من حوله من يستغلّون ضعفه ويشمتون به. هل هناك أصوات في حياتك — أشخاص، أفكار، عادات — تتغذى على يأسك، تُبقيك في دائرة الشك بمحبة الله؟ الآية تدعوك لتقول لها بصراحة: "اُبعدي عنّي". ليس بقسوةٍ فارغة، بل بثقةٍ مبنية على أن الله سمعك فعلًا.

وتذكّر: الذي سمع دموع داود هو نفسه الذي بكى ذات ليلة في جثسيماني وسُمع له. فأنت لا تصرخ إلى إلهٍ بعيدٍ يراقب من علٍ، بل إلى من عرف طعم الدموع بنفسه. اسمح لهذه الحقيقة أن تقلب يأسك إلى ثقة، اليوم، قبل أن يتغيّر شيء في ظروفك.

## نقاط للصلاة

- يا رب، أعترف أن دموعي كثيرًا ما تبدو لي وكأنها تسقط في فراغ، فامنحني يقين داود بأنك تسمع صوت بكائي فعلًا.
- ساعدني أن أميّز الأصوات من حولي التي تتغذى على يأسي وضعفي، وامنحني الجرأة أن أبعدها عني.
- علّمني ألا أنتظر تغيّر ظروفي لأثق بك، بل أن أثق بك الآن وسط الألم نفسه.
- أشكرك لأن ابنك يسوع بكى وصرخ مثلي، وأنه فهم آلامي من الداخل لا من بعيد.
- امنحني قلبًا يخاف يومك الأخير بجدية، فلا أكون يومًا ممن يُقال لهم "اذهبوا عني".

## تأمّلات

- متى كانت آخر مرة بكيتَ فيها وشعرتَ أن الله بعيدٌ عنك؟ ماذا حدث بعد ذلك فعليًّا؟
- هل ثقتك بالله مبنية على تغيّر ظروفك، أم على معرفتك بمن هو هو؟
- من هم "فاعلو الإثم" في حياتك اليوم — الأصوات أو العلاقات التي تُبقيك في اليأس بدل أن تدفعك نحو الله؟
- هل تخاف حقًّا من كلمات المسيح "اذهبوا عني"، أم تشعر أنها بعيدة عنك تمامًا؟
- إذا كان الله يسمع صوت دموعك حرفيًّا كما يسمع كلماتك، فهل يتغيّر شيء في الطريقة التي تصلّي بها؟

---

https://dewfall.app/ar/read/svd:19:6:8
