# المزامير ١٠٠:٣ (الكتاب المقدس - ترجمة فان دايك)

> اعْلَمُوا أَنَّ الرَّبَّ هُوَ اللهُ. هُوَ صَنَعَنَا، وَلَهُ نَحْنُ شَعْبُهُ وَغَنَمُ مَرْعَاهُ.

## ما معناها

اقرأ الآية ببطء: "اعْلَمُوا أَنَّ الرَّبَّ هُوَ اللهُ". هذه ليست دعوةً لمعلومةٍ عابرة، بل أمرٌ - "اعلموا"، فعل أمرٍ صريح. المرنّم لا يقول "فكّروا" أو "تأمّلوا"، بل "اعرفوا معرفة يقين". والكلمة العبرية وراء "اعلموا" تحمل معنى المعرفة الاختبارية العميقة، لا مجرد معلومةٍ في الذهن [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs).

ثم يأتي القلب النابض للآية: "هُوَ صَنَعَنَا، وَلَهُ نَحْنُ". لاحظ الترتيب: لأنه صنعنا، فنحن له. الملكية هنا مبنيّة على الخلق، لا على استحقاقنا. وهناك قراءةٌ قديمة مهمة يذكرها بعض الشرّاح: النص العبري يحتمل قراءتين متقاربتين في النطق - "ولا نحن" (أي لم نصنع أنفسنا) أو "وله نحن" (أي نحن ملكه) [John Gill Bible Commentary](cite://s?id=john-gill). الترجمة العربية التي بين يديك اختارت المعنى الثاني، لكن كلا المعنيين صحيحٌ لاهوتيًّا ويكمّل الآخر: نحن لا نملك أنفسنا لأننا لم نصنع أنفسنا.

ثم الصورة الختامية: "شَعْبُهُ وَغَنَمُ مَرْعَاهُ". هنا ينتقل المزمور من لغة الخلق العام (كل البشر مخلوقون) إلى لغة العلاقة الخاصة (شعبٌ له، غنمٌ يرعاها). هذا المزمور، رغم أنه يدعو "كل الأرض" في الآية الأولى للهتاف، يتكلم هنا بلغة العهد الخاص بين الله وشعبه [Tyndale Open Study Notes](cite://s?id=tyndale). هذا مزمور تسبيحٍ صُمّم أصلًا ليُنشَد عند تقديم الشكر في الهيكل، لكنه يمتدّ - كما يلاحظ كثيرون - ليشمل كل من يعرف الله عبر المسيح [Matthew Henry Bible Commentary](cite://s?id=matthew-henry).

## السياق التاريخي

هذا المزمور قصير، لكنه واحدٌ من أعذب مزامير التسبيح في كل السفر. لا يحمل اسم كاتبٍ في العنوان العبري، بل يُعرف بعنوانه فقط: "مزمور للشكر" أو "مزمور الحمد". يُرجَّح أنه كُتب في زمن الهيكل الأول، ربما في عصر داود أو بعده بقليل، أي في مكانٍ ما بين القرن العاشر والسابع قبل الميلاد - فترة كانت فيها العبادة في أورشليم منظّمةً حول تقديم الذبائح والتسابيح الجماعية.

تخيّل المشهد: جماعة من بني إسرائيل يصعدون إلى الهيكل، ربما في أحد الأعياد، يحملون تقدمات الشكر، ويهتفون بهذا المزمور جوقةً واحدة. كانوا يعيشون في عالمٍ محاطٍ بالأمم الوثنية - المصريين، الكنعانيين، لاحقًا الآشوريين والبابليين - وكل أمةٍ من هذه الأمم كانت تعبد آلهةً كثيرة، تصنعها بيدها من خشبٍ أو حجر. وهنا يأتي الأمر الإلهي: "اعلموا أن الرب هو الله" - أي ليس كأحد تلك الآلهة المصنوعة. هذا إعلانٌ تحدٍّ في وجه كل ديانات الجوار: يهوه وحده هو الإله الحقيقي، والدليل أنه هو من صنعنا، لا نحن من صنعناه.

كانت هذه اللغة - "شعبه" و"غنم مرعاه" - مألوفةً جدًّا لمجتمعٍ رعويٍّ زراعي. الراعي في تلك الثقافة لم يكن مجرد شخصٍ يملك خرافًا، بل كان يحيا مع قطيعه، يحميه من الذئاب، يقوده إلى المياه، يحمل الصغار على كتفيه. حين يسمع الإسرائيلي هذه الكلمات، لا يفكر في صورةٍ رومانسية بل في واقعٍ يومي يعرفه: قطيعٌ بلا راعٍ يموت، وقطيعٌ مع راعٍ أمين يعيش بأمان. هذا المزمور كان جزءًا من مجموعة مزامير تُستخدم في العبادة الجماعية، وكانت تُنشد لتُذكّر الشعب - جيلًا بعد جيل - بمن هم، ولمن ينتمون، وسط عالمٍ كان يغريهم دائمًا بنسيان ذلك.

## اللغة الأصلية

كلمة "اعلموا" في العبرية هي יָדַע (يادَع)، H3045، وهي ليست معرفةً نظرية بل معرفةً اختبارية عميقة - نفس الفعل المستخدم حين يُقال إن آدم "عرف" حواء. الله لا يطلب منك أن تحفظ عقيدة، بل أن تدخل في معرفةٍ حيّة تُغيّر كيف تعيش [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs).

ثم كلمة "الرب" وهي יְהֹוָה (يهوه)، H3068، الاسم الشخصي الخاص لله، المشتق من فكرة "الكائن الأزلي" أو "الذي هو موجودٌ بذاته" [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs). وكلمة "الله" هي אֱלֹהִים (إلوهيم)، H430، وهي صيغة جمعٍ تُستخدم للدلالة على الله الواحد الأعظم فوق كل ما يُدعى إلهًا [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs). الجملة إذًا تقول: يهوه - ذاك الاسم الشخصي القريب - هو نفسه إلوهيم، الإله العظيم فوق كل الآلهة. لا انفصال بين قرب الله الشخصي وعظمته الكونية.

كلمة "صنعنا" هي עָשָׂה (عاسا)، H6213، فعلٌ واسع المعنى يشمل كل صناعةٍ وعمل، يُستخدم عن الخلق كما يُستخدم عن أبسط الأعمال اليومية [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs). هذا يربط قصة خلقنا بقصة عمل الله المستمر فينا.

وأخيرًا كلمتا "شعبه" עַם (عَم)، H5971، وهي كلمةٌ تحمل معنى الجماعة المترابطة كسبطٍ واحد، وأحيانًا تُستخدم مجازيًّا بمعنى "قطيع" [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs)؛ ثم "غنم مرعاه" - צֹאן (تسون)، H6629، اسمٌ جامعٌ للقطيع من الغنم والماعز، ومِرْعِيث מִרְעִית، H4830، بمعنى المرعى أو القطيع الذي يُرعى، مشتقّة من فعل "رعى" [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs). الصورة هنا ليست مجرد ملكية باردة، بل علاقة رعايةٍ يوميةٍ حانية.

## كيف تشير إلى المسيح

حين تسمع "هو صنعنا، وله نحن شعبه وغنم مرعاه"، لا يسعك إلا أن تفكر في يسوع وهو يقول عن نفسه "أنا هو الراعي الصالح" (يوحنا ١٠:١١). المزمور يتكلم عن يهوه كراعٍ لشعبه، ثم يأتي يسوع في العهد الجديد ويأخذ هذا اللقب لنفسه بلا تردد، معلنًا أنه هو نفسه ذاك الراعي الذي تنبأ عنه المزمور والأنبياء. هذا ليس صدفة لغوية، بل إعلانًا مباشرًا عن هويته.

والأعمق من ذلك: الآية تقول "هو صنعنا" - والعهد الجديد يعلن أن كل الأشياء به كانت، وبغيره لم يكن شيء مما كان (يوحنا ١:٣). فالمسيح ليس فقط الراعي الذي يرعى القطيع لاحقًا، بل هو نفسه الصانع الذي خلق القطيع أصلًا. وحين يقول بولس إننا "عمله، مخلوقين في المسيح يسوع لأعمال صالحة" (أفسس ٢:١٠)، فهو يأخذ فكرة "صنعنا" في مزمورنا ويرفعها إلى مستوى جديد: ليس فقط أن الله خلقنا في البدء، بل أنه يعيد خلقنا فينا بالمسيح، خليقةً جديدة بغرضٍ جديد.

وأخيرًا، هذه المعرفة التي يأمر بها المزمور - "اعلموا أن الرب هو الله" - تجد كمالها حين يصلّي يسوع لأبيه: "هذه هي الحياة الأبدية: أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته" (يوحنا ١٧:٣). فالمعرفة التي طلبها المزمور من إسرائيل صارت الآن معرفةً بالآب والابن معًا، لأن من يعرف يسوع يعرف الله حق المعرفة (١يوحنا ٥:٢٠). القطيع الذي كان "شعبه" في العهد القديم صار الآن كنيسةً تضم كل أمة، يرعاها الراعي الذي مات لأجل خرافه.

## التطبيق

دعني أسألك سؤالًا مباشرًا: من صنعك؟ ليس بيولوجيًّا - أعرف أن أباك وأمك أنجباك - بل بمعنى أعمق: من يملك حياتك؟ لأن هذا هو بالضبط ما تطلبه منك هذه الآية أن تعترف به: أنت لم تصنع نفسك، ولذلك أنت لست ملكًا لنفسك.

نحن نعيش في عالمٍ يهمس لك كل يوم "أنت من صنع نفسك، أنت سيّد قرارك، أنت من يحدد من أنت". وهذا نصف صحيح - لك إرادة، لك مسؤولية - لكنه كذبٌ خطير حين يصل إلى جذوره. المزمور يقول العكس تمامًا: اعلم، اعرف معرفة يقين، أن الرب هو الله، وأنه هو صنعك، وأنت له.

هذا ليس كلامًا مريحًا في ثقافةٍ تعبد الاستقلالية. لكنه في الحقيقة أعذب خبرٍ يمكن أن تسمعه، لأنه يعني أنك لست وحدك في هذه الحياة تحمل عبء أن تكون إلهك الخاص. أنت خروفٌ، لا راعٍ. وهذا تحرير، لا إهانة - لأن الخروف الذي يعترف بحاجته لراعٍ هو الذي يجد المرعى والحماية، أما الخروف الذي يصرّ أنه لا يحتاج راعيًا فهو الذي يضيع ويهلك في البرية.

فالثمن الذي تطلبه هذه الآية منك اليوم واضح: أن تكفّ عن التصرف كأنك ملك نفسك. أن تعترف - في قراراتك الصغيرة، في مالك، في وقتك، في خططك المستقبلية - أنك "له"، لا لنفسك. هذا يعني طاعةً حقيقية حين لا تريد أن تطيع، وثقةً حقيقية حين يخيفك المجهول. هل تستطيع اليوم أن تقول بصدق: "أنا لست لي، أنا لك"؟

## نقاط للصلاة

- يا رب، أعترف أنك أنت من صنعني، ولست أنا من صنعت نفسي - فسامحني على كل مرةٍ تصرفت فيها وكأنني إلهي الخاص.
- امنحني معرفةً حقيقية، لا معلوماتٍ باردة، بأنك أنت الله - معرفةً تُغيّر كيف أعيش يومي.
- أيها الراعي الصالح، ذكّرني أنني خروفٌ في قطيعك، فأثق بقيادتك حتى حين لا أفهم الطريق.
- علّمني أن أفرح بكوني ملكًا لك، لا أن أشعر بذلك عبئًا، بل تحريرًا من ثقل أن أكون سيّد نفسي.
- اجمعني مع شعبك، واجعلني أعيش كعضوٍ حقيقي في قطيعك، لا خروفًا منعزلًا يبحث عن طريقه وحده.

## تأمّلات

- في أي مجالٍ من حياتك تتصرف عمليًّا وكأنك "صنعت نفسك"، ولا تحتاج إلى أحد فوقك؟
- ما الفرق بين أن "تعرف" عن الله معلومات، وأن "تعرفه" بالمعنى العميق الذي يطلبه هذا المزمور؟
- هل تشعر أن كونك "ملكًا لله" و"خروفًا في قطيعه" أمرٌ مُريح أم مُقلق؟ ولماذا؟
- متى كانت آخر مرة اعترفت فيها لله بصدقٍ أنك تابعٌ له، لا سيّد نفسك؟
- إن كان يسوع هو الراعي الذي تكلم عنه هذا المزمور، فما الذي يخبرك ذلك عن طريقة رعايته لك اليوم تحديدًا؟

---

https://dewfall.app/ar/read/svd:19:100:3
