# أيوب ٩:١٠ (الكتاب المقدس - ترجمة فان دايك)

> فَاعِلُ عَظَائِمَ لاَ تُفْحَصُ، وَعَجَائِبَ لاَ تُعَدُّ.

## ما معناها

هذه الآية بسيطة في ظاهرها: أيوب يقول إن الله يفعل أمورًا عظيمة لا يمكن الوصول إلى قرارها، وعجائب لا تُحصى عدًّا. لكن انظر من يتكلّم ومتى: هذا ليس ترنيمة تسبيح مرفوعة بفرح، بل كلامٌ يخرج من فم رجلٍ مثقل بالألم، جالسٍ على الرماد، فقد أبناءه وماله وصحته. والعجيب أن أيوب لا يستخدم عظمة الله ليمتدحه فقط، بل ليشرح لماذا لا يستطيع أن يحاجّ الله أو يطالبه بتفسير (انظر أيوب ٩:٣-٤ قبلها مباشرة). فالآية جزءٌ من دفاعٍ حزين: "كيف أجادل من هذه قدرته؟".
والملفت أن هذه الجملة بالذات سبق أن قالها أليفاز الترشي في أيوب ٥:٩ بنفس الكلمات تقريبًا [Jamieson-Fausset-Brown](cite://s?id=jamieson-fausset-brown). فأيوب هنا يأخذ كلام صاحبه ويردّه إليه، وكأنه يقول: "نعم، أعرف هذا جيدًا، أنا لا أُنكر عظمة الله، لكن هذه العظمة نفسها هي التي تجعل وضعي أصعب لا أهون". هذا فرقٌ دقيق يسهل تفويته: نفس الحقيقة اللاهوتية (الله عظيم لا يُفحص) يستخدمها أليفاز ليُدين أيوب، ويستخدمها أيوب ليصف حيرته أمام الله. الحقيقة واحدة، لكن القلب الذي يحملها مختلف تمامًا.
موضع الآية في السِّفر: نحن في وسط جدال أيوب مع أصدقائه، وهو يحاول أن يوازن بين إيمانه بعدل الله وقدرته من جهة، وبين شعوره بالظلم من جهة أخرى. لم يصل بعد إلى اللقاء المباشر مع الله في الأصحاحات الأخيرة، حيث سيسمع مباشرةً عن عجائب الخليقة (أيوب ٣٨-٤١). هذه الآية بذرة أولى لذلك الحوار الكبير الآتي.

## السياق التاريخي

سِفر أيوب من أصعب الأسفار تحديدًا من حيث الزمن والكاتب. لا يذكر النص اسم كاتبه، والتقليد اليهودي والمسيحي القديم اقترح أسماء متعددة (موسى، سليمان، أو حتى أيوب نفسه)، لكن الأرجح أن القصة تعود إلى زمن الآباء (مثل زمن إبراهيم تقريبًا، أي قبل موسى بزمن طويل)، بينما كُتب النص بشكله الأدبي الحالي ربما في وقتٍ لاحق، يتراوح تقدير الباحثين بين القرن العاشر والسادس قبل الميلاد. المهم أن أيوب رجلٌ يعيش خارج شعب إسرائيل، في أرض عوص، أي أنه ليس يهوديًّا بالمعنى القبلي، لكنه يعرف الله الحقيقي ويعبده.
تخيّل المشهد: رجلٌ كان من أغنى أهل المشرق، له قطعان وعبيد وأبناء وبنات، ثم في يومٍ واحد يفقد كل شيء - أملاكه، أبناءه العشرة، ثم صحته حتى صار جسده مليئًا بالقروح. جلس على كومة رماد يحكّ جسده بقطعة فخار (أيوب ٢:٨). في تلك الثقافة القديمة، كان الاعتقاد السائد هو أن المصائب دليلٌ على خطيةٍ مخفية - "لا بد أنك أخطأت لكي يعاقبك الله هكذا". هذا بالضبط ما يقوله أصدقاؤه الثلاثة (أليفاز وبلدد وصوفر) طوال السِّفر. بلدد الشوحي تكلّم قبل هذه الآية مباشرة (أيوب ٨)، وأيوب الآن يردّ عليه.
حين يقول أيوب هذا الكلام عن عظمة الله، هو لا يتكلم من مكتبٍ آمن، بل من وسط الألم، محاولًا أن يفهم كيف يمكن لإلهٍ بهذه القوة والحكمة أن يسمح بما يحدث له. هذا سياقٌ مهم لأن كثيرين اليوم يقرؤون آيات عن عظمة الله في أوقات الراحة، لكن أيوب يكتبها ودمعه لم يجف بعد. الثقافة القديمة كانت تفترض أن الآلهة يمكن التفاوض معها أو حتى مقاضاتها كما يُقاضى إنسانٌ آخر، وأيوب سيستمر في السِّفر يتمنى لو يستطيع أن "يحاكم" الله (أيوب ٩:٣٢-٣٣)، لكنه هنا يعترف أن عظمة الله تجعل هذا مستحيلًا من الأساس.

## اللغة الأصلية

الفعل الأول المهم هو עָשָׂה (ʻâsâh، H6213)، وهو فعلٌ عبري واسع جدًا يعني "يفعل" أو "يصنع" بأوسع معانيه [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs). هذا الفعل نفسه استُخدم في سِفر التكوين لوصف خلق الله للسماوات والأرض. فحين يقول أيوب "فاعل عظائم"، هو لا يتكلم عن أفعالٍ عابرة، بل عن نشاطٍ خلّاقٍ مستمر، كأن الله لا يتوقف عن "الصنع".
ثم كلمة "عظائم" في العبرية هي מִנְּגָדוֹל (من الجذر gâdôwl، H1419)، وتعني "عظيم" بأي معنى - في الحجم، في المكانة، وأحيانًا حتى بمعنى "قاسٍ" أو "صعب" [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs). فالعظمة هنا ليست فقط جمالية أو مبهجة، بل قد تحمل ثِقلًا يصعب احتماله - وهذا يناسب سياق أيوب تمامًا: عظمة الله التي يمدحها هي نفسها التي تُثقل عليه الآن.
والأهم في الآية هو الفعل פָּלָא (pâlâʼ، H6381)، الذي يُترجم "عجائب". أصل هذا الفعل يحمل معنى "أن يفصل أو يميّز" شيئًا، ومنه يأتي معنى "أن يكون صعب الإدراك أو عجيبًا فوق الطبيعي" [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs). هذه ليست كلمة تصف مجرد أشياء جميلة، بل أفعالًا تتجاوز قدرة العقل البشري على التصنيف والفهم - أشياء تقف خارج فئات تفكيرنا العادية تمامًا.
وأخيرًا، هناك كلمتان تصفان "عدم الإحصاء": חֵקֶר (chêqer، H2714) وتعني "فحص أو تدقيق أو استقصاء" [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs)، ومִסְפָּר (miçpâr، H4557) وتعني "عدد أو إحصاء" [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs). فأيوب يقول حرفيًّا: "لا فحص لعظائمه، ولا عدد لعجائبه" - أي أن أعمال الله تتجاوز كلًّا من التحليل العقلي (الفحص) والحصر الكمي (العدد). هذان مِحوران يحاول العقل البشري بهما أن يُخضع العالم لسيطرته - أن يفهمه (فحص) وأن يعدّه (إحصاء) - وأيوب يقول: أعمال الله تُفلت من كليهما.

## كيف تشير إلى المسيح

حين يصف أيوب أعمال الله بأنها "لا تُفحص ولا تُعدّ"، هو يقف أمام لغزٍ لن يُحلّ بالكامل حتى في نهاية السِّفر نفسه - الله لن يشرح لأيوب "لماذا" حدثت له المصائب، بل سيريه فقط عظمته في الخليقة (أيوب ٣٨-٤١). لكن في العهد الجديد، نرى شيئًا لم يكن أيوب يعرفه بعد: أن الله العظيم الذي "لا يُفحص" قرر أن يُفحص، أن يُلمس، أن يُصلب. بولس الرسول يستخدم لغةً قريبة جدًّا من لغة أيوب حين يكتب في رومية ١١:٣٣ "ما أبعد أحكامه عن الفحص وطرقه عن الاستقصاء" - لكنه يكتب هذا بعد أن شرح للتوّ كيف أن هذا الإله غير المفحوص أرسل ابنه ليموت من أجل خطاة (رومية ٥:٨).
المسيح هو النقطة التي فيها "العظائم التي لا تُفحص" أصبحت ملموسة: الصليب نفسه عجيبةٌ لا تُحصى أبعادها - كيف يمكن لإلهٍ عادل أن يبرر الأثيم دون أن يتنازل عن عدله؟ هذا سرٌّ أعمق من أي عجيبة طبيعية ذكرها أيوب في أعقاب هذه الآية (الجبال، البحر، النجوم في أيوب ٩:٥-٩). بولس في أفسس ٣:٢٠ يستخدم نفس الفكرة حين يتكلم عن "القادر أن يفعل فوق كل شيء أكثر جدًا مما نطلب أو نفتكر" - وهذه القدرة الفائقة تتجلّى بالتحديد في عمل الخلاص بيسوع.
أيوب أراد أن "يحاكم" الله (أيوب ٩:٣٢-٣٥)، واشتكى أنه لا يوجد "حَكَمٌ" بينه وبين الله يضع يده على كليهما (أيوب ٩:٣٣). هذا بالذات ما فعله المسيح: صار الوسيط، الحَكَم، الذي وضع يده على الله بألوهيته وعلى الإنسان بناسوته (١تيموثاوس ٢:٥). فما تمنّاه أيوب في حيرته وألمه، تحقق فعليًّا في يسوع - أعظم "عجيبة لا تُحصى" على الإطلاق.

## التطبيق

اسمح لي أن أسألك سؤالًا مباشرًا: متى كانت آخر مرة وقفت فيها أمام شيءٍ في حياتك وقلت بصدق "أنا لا أفهم هذا، ولن أفهمه، لكنني أثق بمن يفهمه"؟ هذا بالضبط ما يفعله أيوب هنا. هو لا يقول "الله عظيم" كشعارٍ جميل يُعلَّق على الحائط، بل يقولها وهو غارقٌ في ألمٍ لا يفهم سببه.
المشكلة أننا نحب أن تكون عظمة الله مفهومة بالنسبة لنا - نريد أن "نفحص" أعماله (كما تقول الكلمة العبرية) ونحصرها في نظامٍ منطقي: إن كنت صالحًا سأُبارَك، وإن أخطأت سأُعاقَب. هذا بالضبط ما ظن أصدقاء أيوب. لكن الحياة الحقيقية، وأيوب يعرف هذا جيدًا، أعقد من أي معادلة. أحيانًا تأتي المصائب على البار، وتأتي البركات على الشرير، ولا نفهم لماذا.
الثمن الذي تطلبه هذه الآية منك اليوم هو التخلي عن وهم السيطرة العقلية على الله. أن تقول: "لن أستطيع أن أحصر كل أعمالك في جدول أفهمه، ومع ذلك سأثق بك". هذا أصعب مما يبدو، لأننا نحب أن نُخضع الله لمنطقنا حتى في صلواتنا - "يا رب، إن فعلتَ كذا فسأفهم أنك تحبني". لكن أيوب يعلّمنا طريقًا أعمق: الثقة التي لا تحتاج إلى تفسير كامل لكي تستمر.
هل تستطيع اليوم أن تعترف أمام الله بأمرٍ في حياتك لا تفهمه، ومع ذلك تختار أن تثق به؟ ليس لأن كل الأسئلة أُجيبت، بل لأن الذي "يفعل عظائم لا تُفحص" أثبت في المسيح أنه يستحق ثقتك حتى حين يصمت.

## نقاط للصلاة

- يا رب، أعترف أنني كثيرًا ما أحاول أن أحصر أعمالك في ما أفهمه، فسامحني على غروري.
- أعطني، يا إلهي، قلبًا يثق بك حتى في الأمور التي لا تُفسَّر ولا تُفحص في حياتي الآن.
- علّمني أن أرى عظمتك ليس فقط في السماء والنجوم، بل في وسط ألمي وحيرتي كما رآها أيوب.
- أشكرك لأنك في المسيح صرت لي القريب، الحَكَم، الوسيط الذي احتجت إليه، لا الإله البعيد فقط.
- ثبّت إيماني حين تبدو أحكامك بعيدة عن استقصائي، وذكّرني أن سكوتك ليس غيابًا.

## تأمّلات

- ما هو الأمر في حياتي الآن الذي أطالب الله فيه بتفسيرٍ كامل قبل أن أثق به؟
- هل أستخدم "عظمة الله" كحقيقةٍ لاهوتية جافة أُلقيها على الآخرين، أم أعيشها كثقةٍ حيّة وسط ألمي أنا؟
- حين تبدو تصرفات الله في حياتي غير منطقية، هل ردّ فعلي أقرب إلى أيوب (حيرة مع ثقة) أم إلى أصدقائه (أحكام جاهزة)؟
- ما الذي يمنعني من أن أقول بصدق: "لا أفهم، لكنني أثق"؟
- كيف يغيّر معرفتي بأن المسيح صار الوسيط بيني وبين الله (وهو ما تمناه أيوب) من طريقة صلاتي في أوقات الألم؟

---

https://dewfall.app/ar/read/svd:18:9:10
