# أيوب ٣٧:٢٣ (الكتاب المقدس - ترجمة فان دايك)

> الْقَدِيرُ لاَ نُدْرِكُهُ. عَظِيمُ الْقُوَّةِ وَالْحَقِّ، وَكَثِيرُ الْبِرِّ. لاَ يُجَاوِبُ.

## ما معناها

هذه هي آخر كلمات أليهو قبل أن يظهر الله نفسه من العاصفة في الأصحاح التالي. لاحظ كيف تُغلق كلامه: بعد أن راح يصف الرعد والبرق والثلج والريح طوال الأصحاح، لا ينتهي بموعظةٍ طويلة، بل بجملةٍ قصيرة تكاد تكون اعترافًا بالعجز: «القدير لا نُدركه». هذا ليس كلامًا عن غموضٍ مزعج، بل عن عظمةٍ لا تُحاصَر بعقلٍ بشري [Matthew Henry Bible Commentary](cite://s?id=matthew-henry).

ثم يأتي وصفٌ ثلاثي دقيق: عظيم القوة، عظيم الحق (أو "القضاء" كما يظهر في الأصل)، وكثير البر. هنا نقطة يسهل تفويتها: أليهو لا يقول فقط "الله قويّ جدًّا فاحذر"، بل يربط القوة بالعدل والبر معًا. فالله ليس قوةً عمياء تتصرف كما يحلو لها، بل قوةٌ مُوجَّهة دائمًا بالحق والصلاح. هذا هو جوهر ردّه على أيوب: لا تظنّ أن الله ظالم لأنك لا تفهم أفعاله؛ فقدرته لا تنفصل عن عدله.

والجملة الأخيرة "لا يجاوب" مثيرة للجدل بين المترجمين والشرّاح. القراءة الشائعة (ومنها الترجمة العربية هنا) تجعلها بمعنى: الله لا يظلم أحدًا [Jamieson-Fausset-Brown](cite://s?id=jamieson-fausset-brown). لكن قراءةً أخرى، وهي الأقرب حرفيًّا للعبرية، تجعلها بمعنى: "هو لا يُجيب"، أي لا يُقدّم حسابًا لأفعاله لأحد [Adam Clarke Bible Commentary](cite://s?id=adam-clarke). الفارق مهم: الأولى تقول إن الله عادل، والثانية تقول إن الله غير مُلزَم بتفسير نفسه لنا. والحقيقة أن كِلا المعنيين يخدم قصد أليهو نفسه، وهذا الغموض بالذات كان ربما مقصودًا.

في السياق الأكبر لسِفر أيوب، هذه الآية هي عتبة الباب. بعدها مباشرة، لن يعود الله يُوصَف من بعيد، بل سيتكلم هو نفسه.

## السياق التاريخي

سِفر أيوب من أقدم النصوص في الكتاب المقدس، وربما أقدمها على الإطلاق من حيث الزمن الذي تدور فيه أحداثه، حتى لو كُتب نصّه في شكله الحالي في وقتٍ لاحق. لا نعرف اسم الكاتب، ولا التاريخ الدقيق للتأليف، لكن أغلب الدارسين يضعونه في مكانٍ بين القرن الخامس عشر والقرن الخامس قبل الميلاد – مدى واسع، لكنه يكفي لنفهم أمرًا مهمًّا: هذا نصٌّ يتعامل مع أسئلة الألم والعدل الإلهي بمعزلٍ عن شريعة موسى وعن تاريخ إسرائيل المعروف. أيوب نفسه لم يكن إسرائيليًّا؛ هو رجل من أرض عوص، على الأغلب في منطقة أدوم أو شمال الجزيرة العربية، يعيش في عالمٍ بدويٍّ يعتمد فيه الإنسان على المحاصيل والقطعان، وتتحكم به تقلبات الطقس التي يتحدث عنها أليهو طوال الأصحاح: الرعد، البرق، الثلج، السحاب، الريح.

أليهو هو آخر من يتكلم قبل الله نفسه. هو الأصغر سنًّا بين الأربعة الذين حاولوا "تفسير" مصيبة أيوب، وقد صمت طويلاً احترامًا للأكبر سنًّا، لكنه انفجر غضبًا لأن أصدقاء أيوب الثلاثة فشلوا في إقناعه، وأيوب نفسه استمر يُبرّئ نفسه أمام الله بطريقةٍ تقترب من التجريح بعدله. في زمنٍ كهذا، لم يكن هناك تفسيرٌ علميّ للعواصف والصواعق؛ الطبيعة كلها كانت لغةً مباشرة يتكلم الله بها. فحين يُشير أليهو إلى الغيوم والرعد، هو لا يُلقي درسًا في الفلك، بل يقول لأيوب: انظر إلى شيءٍ تراه كل يوم ولا تفهمه، فكيف تطلب أن تفهم تصرفات الله في حياتك؟

هذا الأصحاح هو الجسر: كلام الإنسان (أليهو) عن عظمة الله في الطبيعة، يمهّد مباشرة لكلام الله نفسه من العاصفة في الأصحاحين ٣٨-٤١. لهذا فآيتنا ليست خاتمة عابرة، بل هي آخر نفَسٍ بشري قبل أن يتكلم الرب.

## اللغة الأصلية

الكلمة الأولى المهمة هي **שַׁדַּי (Shadday)** H7706، وتُترجم "القدير". هذا الاسم الإلهي القديم جدًّا يرتبط جذريًّا بمعنى القوة الطاغية، ويُستخدم غالبًا في العهد القديم حين يريد الكاتب أن يوقفك أمام قوة الله التي تفوق كل تصوّر – ليس كقوةٍ سياسية أو عسكرية، بل كقوةٍ تخصّ الوجود نفسه. حين يُستخدم هذا الاسم بالذات هنا، فهو يهيّئ القارئ لما سيقوله الله عن نفسه بعد أصحاحين فقط من العاصفة.

الفعل **מָצָא (mâtsâʼ)** H4672، الذي تُرجم "نُدرك"، معناه الأصلي "أن يجد" أو "أن يصل إلى". أليهو لا يقول فقط "لا نفهمه"، بل "لا نستطيع أن نُمسك به، أن نصل إلى نهايته". هي نفس الصورة التي استخدمها أليهو نفسه سابقًا في ٣٧:٢٣، وسبقه إليها صوفر في ١١:٧ حين سأل: "أإلى عمق الله تتصل؟" – فكرة اليد التي تحاول أن تُطبق على شيءٍ أكبر منها بكثير.

ثم عندنا ثلاثية الوصف: **כֹּחַ (kôach)** H3581 "قوة"، **מִשְׁפָּט (mishpâṭ)** H4941 "حق" وهي في الأصل تعني "حكمًا" أو "قضاءً عادلًا" أكثر من مجرد "صدق"، و**צְדָקָה (tsᵉdâqâh)** H6666 "برّ" أي استقامة أخلاقية كاملة، مسبوقة بـ **רֹב (rôb)** H7230 "كثرة" أو "فيض". فالله ليس فقط قويًّا وعادلًا وبارًّا، بل هو *فائضٌ* بهذه الصفات، لا يُنفَد منها.

أما الفعل الأخير **עָנָה (ʻânâh)** H6031، فهو مصدر الجدل الترجمي الذي ذكرناه: معناه الأساسي "يُخفض" أو "يُذلّ"، وقد يُفهم "يُجاوب" بمعنى "يُقدّم حسابًا" أو بمعنى "يظلم" (يُخفض حقّك). هذا التشعّب بالذات في الجذر هو ما يفتح الباب لكل الترجمات المختلفة التي رأيناها.

## كيف تشير إلى المسيح

حين يقول أليهو "القدير لا نُدركه"، هو يصف حاجزًا حقيقيًّا بين الإنسان والله – ليس لأن الله يخفي نفسه بخبثٍ، بل لأن مجده أعظم من أن يتحمّله عقل أو عين بشرية، كما يقول بولس بعد قرون: "ساكنًا في نورٍ لا يُدنى منه، الذي لم يره أحد من الناس ولا يقدر أن يراه" (١تيموثاوس ٦:١٦). هذا هو عمق المشكلة التي يفتحها أيوب: كيف يصل الإنسان المحدود إلى الله غير المُدرَك؟

والجواب الذي يبلغ ذروته في العهد الجديد ليس أن الإنسان ارتقى وأدرك الله بجهده، بل أن الله غير المُدرَك نزل هو نفسه ليُدرَك. يوحنا يقول ذلك بوضوح: "الله لم يره أحد قط. الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب هو خبّر" (يوحنا ١:١٨). المسيح هو الجواب العملي على أنين أليهو: القدير الذي لا نُدركه صار جسدًا نراه ونسمعه ونلمسه (١يوحنا ١:١).

وأما ثلاثية القوة والحق والبرّ الفائض، فهي بالضبط ما يراه الصليب. في الصليب تتجلى قوة الله (١كورنثوس ١:٢٤ "قوة الله وحكمة الله")، وحقّه القضائي الذي لا يتنازل عن العدل حتى وهو يُخلّص (رومية ٣:٢٦ "ليكون بارًّا وهو يُبرّر")، وبرّه الفائض الذي يُعطى للخاطئ مجّانًا (٢كورنثوس ٥:٢١). ما كان في أيوب سؤالًا معلّقًا – كيف يجتمع عدل الله المطلق مع رحمته بمن يتألم بلا ذنبٍ واضح – يجد جوابه في يسوع الذي تألم هو البريء، ليحمل هو الحكم الذي يستحقه غيره.

وبولس نفسه، في تأمله بطرق الله الخفية نحو إسرائيل والأمم، يستعير لغة أيوب حرفيًّا: "ما أبعد أحكامه عن الفحص وطرقه عن الاستقصاء" (رومية ١١:٣٣) [Tyndale Open Study Notes](cite://s?id=tyndale). فالسؤال الذي بدأه أليهو لم يُغلَق بعد في العهد القديم، بل بقي مفتوحًا حتى وقف الرسول أمام الصليب والقيامة، فرأى أن ما لا يُدرَك بالفكر صار مفهومًا بالمحبة المُتجسّدة.

## التطبيق

كم مرة تريد أن تفهم لماذا يحدث لك ما يحدث؟ ليلة مرضٍ، فقدان عملٍ، طفلٍ يتألم، صلاةٍ لم تُجَب – وأنت تقف أمام الله كأيوب، تطلب لقاءً، تريد أن يُفسّر نفسه، أن يُقدّم حسابًا. هذه الآية تقول لك بصراحةٍ قد تُوجعك: القدير لا نُدركه. ليس لأنه بعيد أو لا يهتم، بل لأنه أكبر من أن يدخل في عقلك الصغير كما تدخل السلعة في يدك.

هذا يعني أن هناك ثمنًا يجب أن تدفعه: التنازل عن حقّك في تفسير كل شيء. أنت تريد الله شفّافًا، تريده كتابًا مفتوحًا تقرأ فيه كل خطوة قبل أن تحدث. لكن أليهو يقول لك: توقّف. أنت لا تدرك حتى كيف تُعلَّق الغيوم الثقيلة في الهواء دون أن تسقط، فكيف تطلب أن تدرك طرق مَن علّقها؟

لكن انتبه: هذا ليس دعوةً للاستسلام العابس، بل للثقة. لأن الآية لا تتوقف عند "لا نُدركه"، بل تُضيف فورًا: "عظيم القوة والحق، وكثير البر". أنت لا تُطالَب بأن تثق بمجهولٍ صامت، بل بمن عرّف نفسه بالعدل والبرّ الفائض، حتى في اللحظة التي لا تفهم فيها شيئًا مما يجري. الثقة المطلوبة منك ليست ثقةً عمياء، بل ثقةٌ مؤسَّسة على شخصيةٍ معروفة، حتى لو كانت أفعالها غير معروفة.

فاسأل نفسك بصدق: هل تسمح لله أن يكون أكبر من فهمك؟ أم أنك، كأيوب في لحظات ضعفه، تريد إلهًا يُبرّر نفسه أمامك بدل أن تنحني أنت أمامه؟ الطاعة هنا تكلّفك التنازل عن كرسي القاضي الذي تحاول أن تجلس فيه، وأن تعود إلى مكانك: مخلوقٌ يثق بخالقٍ يراه كاملًا حتى في عتمة لا يفهمها.

## نقاط للصلاة

- يا رب، أعترف أنني كثيرًا ما أطلب أن أفهم طرقك قبل أن أثق بك، فسامحني وعلّمني أن أثق حتى في العتمة.
- أشكرك لأنك لست قوةً عمياء، بل قوتك مملوءة حقًّا وبرًّا، فثبّت قلبي على هذه الحقيقة في أيام الألم.
- أطلب منك أن تمنحني تواضعًا حقيقيًّا أمام عظمتك، فلا أجعل من عقلي مقياسًا لعدلك.
- يا يسوع، أنت الذي أظهرت لنا القدير غير المُدرَك، اجعلني أراك بوضوحٍ أكبر كل يوم.
- ساعدني أن أتوقف عن مطالبتك بالحساب، وأن أستريح في معرفة أنك بارّ فيما تسمح به.

## تأمّلات

- هل هناك أمرٌ في حياتك الآن تطلب من الله أن "يُجيب" عليه، وترفض أن تمضي قدمًا بدون جواب؟
- متى كانت آخر مرة اكتشفت أن ما بدا لك ظلمًا من الله كان في الحقيقة بِرًّا لم تفهمه بعد؟
- هل تثق بشخصية الله حتى حين تصمت أفعاله عن التفسير؟ أم أن ثقتك مشروطة بالفهم؟
- كيف تتغيّر صلاتك إن توقفت عن مطالبة الله بأن يُبرّر نفسه، وبدأت تطلب منه أن يُريك نفسه؟
- أين في حياتك تحاول أن "تُدرك" الله بعقلك بدل أن تلتقيه في المسيح كما دعاك؟

---

https://dewfall.app/ar/read/svd:18:37:23
