# أيوب ٣٤:١٩ (الكتاب المقدس - ترجمة فان دايك)

> الَّذِي لاَ يُحَابِي بِوُجُوهِ الرُّؤَسَاءِ، وَلاَ يَعْتَبِرُ مُوسَعًا دُونَ فَقِيرٍ. لأَنَّهُمْ جَمِيعَهُمْ عَمَلُ يَدَيْهِ.

## ما معناها

اقرأ الآية ببطء: أيوب هنا ليس هو المتكلّم، بل أليهو، الشاب الغاضب الذي انتظر دوره في الكلام طويلًا ثم انفجر. وهو يقول شيئًا في غاية البساطة والقوة: الله لا ينحاز. لا يهتمّ بمنصب "الرؤساء" ولا يميل قلبه نحو الغنيّ لأنه غنيّ، ولا يتجاهل الفقير لأنه فقير. لماذا؟ الآية نفسها تعطيك السبب: "لأنهم جميعهم عمل يديه". هذه هي النقطة التي يسهل تفويتها. أليهو لا يقول إن الله عادل رغم أن الناس مختلفون في المقام، بل يقول إن الله عادل *لأن* الجميع، مهما اختلفت مقاماتهم عند الناس، أصلهم واحد: صنعة يدي الله. الملك والفلاح، صاحب القصر والمتسوّل، كلاهما خرج من نفس الورشة الإلهية. فكيف يُحابي الصانع أحد مصنوعاته على حساب الآخر؟

موضع هذه الآية في قصة السفر أوسع من ذلك: أليهو يحاول أن يدافع عن عدالة الله أمام شكوى أيوب الذي شعر أن الله يظلمه أو يتجاهله. فأليهو يبني حجته على أن الله، بما هو خالق كل إنسان، لا يمكن أن يكون منحازًا أو ظالمًا مهما بدا الأمر معقّدًا لأيوب. هذا الكلام صحيح في ذاته، وإن كان أليهو نفسه لم يفهم كل أبعاد قصة أيوب كما سنرى لاحقًا حين يتكلم الله بنفسه.

لا يوجد خلاف كبير بين التقاليد المسيحية حول معنى هذه الآية؛ فكرة عدم محاباة الله متكرّرة وواضحة عبر العهدين، ويتفق عليها الجميع كصفة جوهرية في طبيعته.

## السياق التاريخي

سفر أيوب من أقدم النصوص في الكتاب المقدس، وربما يعود زمن أحداثه إلى عصر الآباء، قبل موسى بزمن طويل، رغم أن كتابته النهائية قد تكون تمّت لاحقًا. لا نعرف اسم الكاتب بالضبط، لكن النص يضعنا في عالم بدوي قديم، حيث يملك الرجل قطعانه وخيامه وأولاده، وحيث لا توجد دولة مركزية أو شريعة مكتوبة كتلك التي أُعطيت لموسى لاحقًا. هذا يجعل السفر يتحدث عن الله والعدالة والألم بلغة إنسانية عامة، لا بلغة الشريعة اليهودية المتأخرة.

أليهو، المتكلم هنا، شخصية غريبة نوعًا ما: هو أصغر سنًّا من أصدقاء أيوب الثلاثة، ولذلك انتظر أدبًا حتى ينتهوا من الكلام قبل أن يتكلم هو. في عالم قديم يُقدَّر فيه الكبار على الصغار احترامًا شديدًا، كان صمت أليهو الطويل ثم انفجاره الكلامي أمرًا لافتًا. وهو يتحدث في زمن كانت فيه فكرة "الملوك" و"الرؤساء" أمرًا محسوسًا جدًّا في حياة الناس: الملك أو الشيخ كان يملك سلطة الحياة والموت على رعيته، وكانت المحاكم تنحاز غالبًا لصاحب النفوذ والمال، تمامًا كما هي الحال في كثير من المجتمعات القديمة والحديثة.

حين يقول أليهو إن الله "لا يعتبر موسّعًا دون فقير"، فهو يتكلم في عالمٍ كانت فيه المحاباة هي القاعدة لا الاستثناء: القاضي يميل لمن يدفع أكثر، والحاكم يحمي أقرباءه وأصدقاءه الأغنياء، والفقير يقف عند باب المحكمة بلا صوت يُسمع. هذا الكلام إذًا ليس فلسفة مجرّدة، بل صرخة مضادّة لثقافة كاملة كانت تعيش على المحاباة والوساطة. تجد هذا الصدى القوي في وصية موسى اللاحقة "لا تأخذ بوجه مسكين ولا تحترم وجه كبير" (لاويين ١٩:١٥)، وكأن أليهو يتنبأ بلا وعي بما ستقرّه الشريعة لاحقًا.

## اللغة الأصلية

العبارة العبرية المهمّة هنا هي فعل نَכַר (nâkar)، H5234، الذي تُرجم "يعتبر". معناه الأصلي هو أن تتفحّص شيئًا بدقة، أن تنظر إليه نظرة اعتراف واهتمام خاص. فحين يقول النص إن الله "لا يعتبر موسّعًا دون فقير"، فهو يقول حرفيًّا إن الله لا يمنح الغنيّ تلك النظرة الخاصة المتفحّصة التي تُشعِر الفقير أنه أقلّ شأنًا [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs). هذه الكلمة نفسها تُستخدم أحيانًا بمعنى "التجاهل" أو "الإنكار" حين يُنظر إليها من الجانب المعاكس - وهذا يجعل المعنى هنا حادًّا: الله لا يعطي الغنيّ اهتمامًا يستحق أن يُذكر أكثر من الفقير.

كلمة أخرى تستحق التوقف: שׁוֹעַ (shôwaʻ)، H7771، وتعني "النبيل" أو "الموسّع"، أي صاحب الحرية والغنى والرفاهية، مقابل דַּל (dal)، H1800، والتي تعني حرفيًّا "المتدلّي" أو "الرقيق"، أي الشخص المُنهك والضعيف اقتصاديًّا [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs). الصورة هنا حسّية: واحد يقف منتصبًا بثقة صاحب السلطان، والآخر منحنٍ متدلٍّ كغصنٍ ضعيف. وبين هذين الطرفين المتناقضين تمامًا في نظر المجتمع، يقف الله بلا فرق.

ثم تأتي الكلمة الحاسمة التي تفسّر كل شيء: מַעֲשֶׂה (maʻăseh)، H4639، "عمل" أو "صنعة"، مرتبطة بـ יָד (yâd)، H3027، "اليد" [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs). العبارة "عمل يديه" ليست مجرد استعارة شعرية، بل تذكير بأن كل إنسان - غنيًّا كان أو فقيرًا - هو نتاج فعل الله المباشر، كما جبل آدم من التراب بيديه. هذا الأصل المشترك هو أساس المساواة أمام الله؛ فالصانع لا يفضّل قطعة على أخرى من عمل يديه لمجرد أنها أُلبست ثوبًا أغلى.

## كيف تشير إلى المسيح

هذه الآية تصف صفة إلهية ثابتة: عدم المحاباة. والعهد الجديد يأخذ هذه الصفة نفسها ويضعها بالضبط على الله في المسيح، بل يذهب أبعد من ذلك: يظهرها متجسّدة عمليًّا في طريقة تعامل يسوع مع الناس. فكر كيف عامل يسوع الأرملة الفقيرة بنفس الجدية التي عامل بها رئيس المجمع، وكيف جلس مع العشّارين والخطاة كما جلس مع الفريسيين، وكيف مات على نفس الصليب من أجل اللص المصلوب معه كما من أجل يوسف الرامي الغنيّ.

بطرس، بعد رؤيا الملاءة النازلة من السماء، يقف أمام كرنيليوس الأمّي غير اليهودي ويعلن: "بالحق أنا أجد أن الله لا يقبل الوجوه" (أعمال الرسل ١٠:٣٤). هذه اللحظة هي انفجار عملي لما قاله أليهو نظريًّا قبل قرون طويلة: الإنجيل نفسه، بمعنى الخلاص المجاني، لا يُعطى بحسب الجنس أو الطبقة أو الثروة، بل يُعطى للجميع على قدم المساواة لأن الجميع - كما قال أليهو - "عمل يديه"، وبالتالي الجميع محتاجون بنفس القدر إلى فداء يديه أيضًا.

بولس يوسّع هذا في رومية ٢:١١ "ليس عند الله محاباة"، ويستخدمها ليقول إن اليهودي والأممي يقفان أمام دينونة الله بنفس المعيار تمامًا، وبنفس النعمة المتاحة في المسيح. ويعقوب يستخدم نفس المبدأ ليوبّخ كنيسة كانت تجلس الغنيّ في المكان الأفضل وتُهين الفقير (يعقوب ٢:٥ وما حولها).

فالمسيح هو الموضع الذي فيه تتحقق عدالة الله اللامحابية بشكل نهائي: عند الصليب، لا يوجد "طبقة أولى" و"طبقة ثانية" من الخطاة. الجميع يحتاجون نفس الدم، ونفس النعمة، ونفس الصرخة "يا رب ارحمني". هذا ما يجعل الإنجيل خبرًا سارًّا لكل إنسان بلا استثناء، وهو أيضًا ما يجعله تهديدًا خطيرًا لكل من يظن أن مكانته أو ماله يشتريان له معاملة خاصة عند الله.

## التطبيق

دعني أسألك سؤالًا مباشرًا: هل تتعامل مع الناس كما يتعامل الله؟ لأن الحقيقة المزعجة في هذه الآية ليست فقط أنها تصف الله، بل أنها تفضح كل مرة انحنيتَ فيها أكثر لصاحب المنصب، وتجاهلتَ فيها الشخص الذي لا يفيدك في شيء. كلنا نفعل هذا بطريقة أو بأخرى: نبتسم أكثر للمدير، نصبر أكثر مع الزبون الغنيّ، نُسرع في الردّ على رسالة صاحب النفوذ، ونؤجّل رسالة الشخص "العادي" إلى ما لا نهاية.

أليهو يذكّرك بحقيقة تهدم كل هذا التمييز من جذوره: الشخص الذي تحتقره أو تتجاهله هو "عمل يدي" الله بنفس الدقة والحب اللذين صُنعتَ بهما أنت. حين تُحابي الغنيّ وتتجاهل الفقير، أنت لا تُهين إنسانًا فقط، بل تُهين صنعة الله نفسه، وكأنك تقول للنجّار: "هذه القطعة التي صنعتَها أقلّ قيمة من تلك".

لكن الآية أيضًا عزاء عميق إن كنتَ أنت الطرف المُهمَل. ربما تشعر أن العالم لا يراك، أن أحدًا لا يهتمّ برأيك لأنك لست "أحدًا مهمًّا". اسمع هذا جيدًا: الله لا ينظر إليك بتلك النظرة التي تُقاس بحسابك البنكي أو لقبك الوظيفي. أنت لستَ رقمًا في ذيل القائمة عنده. أنت عمل يديه، بنفس الدقة التي صنع بها من تظنّه أفضل منك.

الثمن الذي تطلبه هذه الآية منك اليوم واضح: أن تراجع كيف توزّع اهتمامك واحترامك وحبّك بين الناس. جرّب أسبوعًا كاملًا تعامل فيه من "لا يفيدونك" بنفس الجدية والاحترام الذي تُبديه لمن "يفيدونك". ستكتشف كم أنت متحيّز، وستكتشف أيضًا كم يشبهك ذلك أليهو الذي رفع صوته أخيرًا بعد أن ظلّ صامتًا احترامًا للكبار - أحيانًا العدالة تتطلّب أن تكسر توقيتك المعتاد وتتكلّم لمن لا صوت له.

## نقاط للصلاة

- يا رب، اغفر لي كل مرة حابيتُ فيها القويّ وتجاهلتُ الضعيف.
- علّمني أن أرى كل إنسان أمامي كما تراه أنت: عمل يديك، لا بحسب مقامه أو ماله.
- إن كنتُ أشعر اليوم أنني مُهمَل أو منسيّ، ذكّرني أنك لا تحابي أحدًا، وأنك تراني كما تراهم تمامًا.
- امنحني شجاعة أليهو لأتكلّم بالحق حتى لو تأخّر دوري أو خفت صوتي.
- اجعل كنيستي وبيتي مكانًا لا يُقاس فيه أحد بثروته أو منصبه، بل بكونه صنعة يديك.

## تأمّلات

- من هو الشخص الذي تتجاهله بسهولة في حياتك اليومية لأنه "لا يفيدك"؟ ماذا يقول ذلك عن قلبك؟
- هل تختلف طريقة كلامك أو معاملتك حسب منصب من أمامك؟ متى لاحظتَ ذلك آخر مرة؟
- إن كان الله لا يميّزك عن أحد، فهل تصدّق ذلك فعلًا حين تشعر بأنك أقلّ من الآخرين؟
- كيف تتعامل مع فكرة أن "الغنيّ والفقير" في نظر الله ليسا سوى نفس المادة: عمل يديه؟ هل تُريحك هذه الفكرة أم تُزعجك؟
- ما الثمن العملي الذي عليك أن تدفعه هذا الأسبوع لتعامل الناس بلا محاباة كما يفعل الله؟

---

https://dewfall.app/ar/read/svd:18:34:19
