# الملوك الأول ١٠:١ (الكتاب المقدس - ترجمة فان دايك)

> وَسَمِعَتْ مَلِكَةُ سَبَا بِخَبَرِ سُلَيْمَانَ لِمَجْدِ الرَّبِّ، فَأَتَتْ لِتَمْتَحِنَهُ بِمَسَائِلَ.

## ما معناها

هذه الآية بداية مشهدٍ من أجمل مشاهد الملوك الأول: ملكة تحكم بلادًا بعيدة، تسمع بخبر سليمان، فتقرر أن تسافر إليه بنفسها لا لتتاجر أو تتحالف، بل لتمتحنه. النص يقول بوضوح إنها سمعت "بخبر سليمان لمجد الرب" - أي أن شهرة سليمان لم تكن شهرة ملكٍ عاديٍّ غنيٍّ، بل كانت مرتبطةً باسم الرب نفسه. هذا ما يسهل تفويته: الآية لا تقول إنها سمعت بحكمة سليمان فقط، بل بخبرٍ متعلقٍ "لاسم الرب" [Keil-Delitzsch Old Testament Commentary](cite://s?id=keil-delitzsch) - يعني أن كل عظمة سليمان كانت في الحقيقة شهادةً على عظمة الله الذي أعطاها له.
والكلمة "لتمتحنه بمسائل" تشير إلى أنها لم تأتِ بفضولٍ سطحي، بل لتختبره اختبارًا حقيقيًّا، بأحاجٍ وألغازٍ صعبة، كما كان معروفًا عند العرب في ذلك الزمان [Tyndale Open Study Notes](cite://s?id=tyndale).
موضع هذه الآية في قصة سِفر الملوك الأول مهمّ: نحن في قمة عصر سليمان، حيث بلغت المملكة أعلى مجدها، والهيكل قد بُني، والحكمة قد انتشرت. هذا الفصل هو تتويجٌ لكل ما سبق من وصفٍ لثروة سليمان وحكمته (١ ملوك ٤:٣٤)، وفي الوقت نفسه هو آخر لحظات المجد قبل أن يبدأ الانحدار في الأصحاحات التالية.
لم يختلف المسيحيون كثيرًا حول تفسير هذه الآية نفسها، لكنهم اختلفوا قديمًا حول هوية "سبأ" وموقعها: بعضهم ظنّها في أثيوبيا جنوب البحر الأحمر، وآخرون - وهذا الرأي الأرجح - يرونها في جنوب شبه الجزيرة العربية، في اليمن اليوم [Jamieson-Fausset-Brown](cite://s?id=jamieson-fausset-brown).

## السياق التاريخي

سِفر الملوك الأول كُتب على الأرجح في صيغته النهائية بعد السبي البابلي، ربما في القرن السادس قبل الميلاد، وقد استخدم مصادر أقدم بكثير - سجلاتٍ وكتاباتٍ من بلاط سليمان نفسه الذي حكم في القرن العاشر قبل الميلاد، حوالي ٩٧٠-٩٣١ ق.م. من كتبه بالتحديد غير معروف لنا، لكن من المؤكد أن من صاغه كان يخاطب شعبًا يعيش في الشتات أو في أرضٍ محتلّة، يتذكر بحسرةٍ وفخرٍ معًا زمن العظمة الذي كانت فيه إسرائيل قوةً يُشار إليها.
سبأ لم تكن مملكةً هامشية، بل كانت من أعظم القوى التجارية في العالم القديم. تخيّل قوافل الجمال المحمّلة بالذهب واللبان والبخور، تعبر صحاري شبه الجزيرة العربية من أقصى الجنوب - من اليمن اليوم - نحو الشام ومصر. كانت السبئيون تجّار عالميين، يصلون إلى سوريا وأفريقيا والهند [Tyndale Open Study Notes](cite://s?id=tyndale). وسليمان نفسه كان قد أرسل سفنه إلى أوفير، وربما عبر تلك السفن التجارية سمعت الملكة بخبره أول مرة [Matthew Henry Bible Commentary](cite://s?id=matthew-henry).
في تلك الحقبة، لم تكن الملكات الحاكمات بمفردهن أمرًا شائعًا، لكنه لم يكن مستحيلًا في جنوب الجزيرة العربية، حيث كانت بعض القبائل تسمح بحكم النساء. أن تقطع ملكةٌ هذه المسافة الطويلة - آلاف الكيلومترات عبر صحارى قاحلة - بموكبٍ من الجمال محمّلة بالهدايا الثمينة، هذا يخبرك عن حجم ما سمعته عن سليمان. لم تكن رحلة نزهة، بل استثمارٌ ضخمٌ من الوقت والمال والخطر، على رجاء أن تتأكد بنفسها: هل الحكمة التي يتحدث الناس عنها حقيقية أم مجرد أسطورة؟
كان العرب في ذلك الزمان معروفين بحبهم للألغاز والحكم والأمثال، وكانت مبارزة الحكماء بالأحاجي وسيلةً معروفة لاختبار عقول الملوك والمفكرين [Jamieson-Fausset-Brown](cite://s?id=jamieson-fausset-brown). فحين أتت الملكة "لتمتحنه بمسائل"، لم تكن تفعل شيئًا غريبًا عن ثقافتها، بل كانت تستخدم أرقى وسيلة تعرفها لتزن رجلاً بميزانٍ حقيقي.

## اللغة الأصلية

كلمة "مَلِكَة" בالعبرية هي מַלְכָּה (malkâh)، H4436، وهي المؤنث من "مَلِك" H4428. الأمر لافتٌ: التوراة لا تتردد في تسمية امرأةٍ حاكمة بهذا الاسم، رغم ندرة الملكات الحاكمات في تلك الأزمنة، ما يشير إلى مكانتها الحقيقية كصاحبة سلطةٍ مستقلة، لا مجرد زوجة ملك.
كلمة "خبر" هنا في الأصل هي שֵׁמַע (shêmaʻ)، H8088، وهي مشتقة من الفعل שָׁמַע (shâmaʻ)، H8085، الذي يعني "أن تسمع بانتباهٍ حقيقي" لا مجرد سماعٍ عابر، بل سماعٌ يقود إلى استجابة أو فعل. هذا يفسّر لماذا لم تكتفِ الملكة بالسماع، بل تحرّكت.
أما العبارة الأهم في الآية فهي "لمجد الرب" أو بالأدق حرفيًّا "לְשֵׁם יְהֹוָה" - "لاسم يهوه". كلمة "اسم" שֵׁם (shêm)، H8034، في الفكر العبري ليست مجرد تسمية، بل هي جوهر الشخص وسلطته وشهرته الحقيقية. ويهوه יְהֹוָה (Yᵉhôvâh)، H3068، هو الاسم الشخصي لله، "الكائن الذاتي الأبدي". فالنص يقول إن خبر سليمان الذي بلغ الملكة كان في الحقيقة خبرًا عن اسم الرب، مرتبطًا بمجده هو، لا بمجد سليمان الشخصي [Keil-Delitzsch Old Testament Commentary](cite://s?id=keil-delitzsch).
وأخيرًا كلمة "مسائل" هي חִידָה (chîydâh)، H2420، وتعني أحجية أو لغزًا أو قولًا مقصودًا يحتاج فطنةً لفكّه. وقد اختارت الملكة أن تمتحن سليمان بهذا النوع من الاختبار الصعب المعقّد، لا بأسئلةٍ سطحية، لتتأكد من عمق حكمته الحقيقي.
اسم "سليمان" شَלֹמֹה (Shᵉlômôh)، H8010، مشتقٌ من "שָׁלוֹם" (سلام)، ويحمل معنى "السلمي" أو "صاحب السلام" - وهذا يضيف طبقةً أخرى للمشهد: ملكةٌ تأتي من الحرب والتجارة القاسية لتقف أمام رجلٍ اسمه السلام نفسه.

## كيف تشير إلى المسيح

يسوع نفسه أشار إلى هذه الآية بيده مباشرة، حين قال: "مَلِكَةُ التَّيْمَنِ سَتَقُومُ فِي الدِّينِ مَعَ هذَا الْجِيلِ وَتَدِينُهُ، لأَنَّهَا أَتَتْ مِنْ أَقَاصِي الأَرْضِ لِتَسْمَعَ حِكْمَةَ سُلَيْمَانَ، وَهُوَذَا أَعْظَمُ مِنْ سُلَيْمَانَ ههُنَا" (متى ١٢:٤٢؛ لوقا ١١:٣١). في هاتين الآيتين، يستخدم يسوع الملكة كشاهدة اتهام على جيله: هي، امرأة أممية غريبة، قطعت آلاف الكيلومترات لتسمع حكمة إنسانٍ، بينما اليهود في زمن يسوع لم يتحركوا خطوة واحدة، رغم أن أمامهم من هو أعظم من سليمان نفسه.
هذا يفتح لنا الباب: سليمان في مجده وحكمته كان صورةً - ظِلًّا ناقصًا - لمن هو الحكمة المتجسدة نفسها. سليمان كان حكيمًا لأن الله وهبه حكمة؛ المسيح هو الحكمة الأصلية، "الَّذِي صَارَ لَنَا مِنَ اللهِ حِكْمَةً" (١ كورنثوس ١:٣٠). سليمان جمع الذهب والفضة من كل الأرض؛ المسيح يستقبل من كل الأمم عبادةً وتقدمةً حقيقية، كما تنبأ المزمور: "مُلُوكُ شَبَا وَسَبَأٍ يُقَدِّمُونَ هَدِيَّةً" (مزمور ٧٢:١٠)، نبوءةٌ عن ملكٍ آتٍ أعظم من سليمان تُتمّها المسيحية في المجوس الذين أتوا من المشرق ليسجدوا للمسيح، حاملين الذهب واللبان (متى ٢:١١).
لكن الفرق الجوهري بين الصورتين هو هذا: الملكة أتت لتمتحن سليمان، فوجدت أن الخبر كان صحيحًا وأن الحقيقة أعظم من الخبر (١ ملوك ١٠:٦-٧). أما المسيح، فلا يُمتحن كإنسانٍ يُشكّ في قدره، بل يُعرف ويُعبد كملكٍ حقيقي، ومع ذلك فإن كل من يأتي إليه بصدقٍ باحثًا، كما أتت هي، يجد أن الحقيقة أعظم من كل ما سُمع.

## التطبيق

اسأل نفسك: كم مسافة قطعتَ في حياتك بحثًا عن شيءٍ تظن أنه يستحق الثمن؟ رحلةٌ، امتحان، مقابلة عمل، ربما حتى مجرد قراءة كتابٍ صعب. الآن اسأل نفسك سؤالًا أصعب: هل بذلتَ نصف هذا الجهد لتعرف الله؟
ملكة سبأ لم تكتفِ بالشائعات. سمعت خبرًا، فقالت في نفسها: "لن أصدّق حتى أرى وأمتحن بنفسي." هذا ليس شكًّا عدائيًّا، بل جدّية حقيقية. كثيرون منا يعيشون على "خبر" سمعوه عن الله في طفولتهم، ولم يقطعوا يومًا الصحراء الشخصية - صحراء الصلاة الصادقة، صحراء السؤال الصعب، صحراء الشك المُعاش لا المُهرب منه - لكي يتأكدوا بأنفسهم: هل هذا حقيقي؟
والأصعب من ذلك: يسوع يقول إن هذه المرأة الأممية، التي لم تكن حتى من شعب الله، ستقوم في الدينونة وتدين جيلًا رآه بعينيه ولم يتحرك. هذا كلامٌ ثقيل. لأنه يعني أن معرفة الحقّ القريب منك - القريب جدًا حتى تظن أنك تعرفه - لا تكفي إن لم تدفعك إلى حركةٍ حقيقية، إلى امتحانٍ صادق، إلى اقترابٍ فعلي.
الثمن الذي تطلبه هذه الآية منك اليوم واضح: توقف عن الرضا بخبرٍ سمعته عن الله، واذهب إليه بنفسك. اسأله أسئلتك الصعبة، لا الأسئلة المُعلَّبة. لا تخف أن تمتحن - الله ليس هشًّا، ولن ينكسر تحت سؤالك الصادق. لكن لا تتوقف عند السماع. قُم، كما قامت هي، واقطع المسافة.

## نقاط للصلاة

- يا رب، لا تدعني أرضى بخبرٍ سمعته عنك، بل اجعلني أشتاق أن ألتقي بك بنفسي كل يوم.
- أعطني جرأة الملكة التي أتت بأسئلتها الصعبة، فلا أخاف أن أسألك أسئلتي الحقيقية.
- اكشف لي أين تحوّلتْ معرفتي بك إلى معلوماتٍ بلا حياة، وأحيِ فيّ الدهشة من جديد.
- ذكّرني أن كل حكمةٍ حقيقية في هذا العالم هي في النهاية شهادةٌ لاسمك، فامنحني أن أراك خلف كل نعمةٍ أراها.
- يا يسوع، أنت أعظم من سليمان - ساعدني أن أقترب منك بجديّةٍ لا تقلّ عن جديّة من قطعوا الصحارى للقائك.

## تأمّلات

- ما هو "الخبر" الذي سمعته عن الله ولم تمتحنه بنفسك يومًا؟
- لو قارنتَ جهدك في السعي إليك مع جهدك في أمورٍ أخرى في حياتك، ماذا يخبرك ذلك عن أولوياتك الحقيقية؟
- هل تخاف أن تسأل الله أسئلتك الصعبة والمُلحّة، أم أنك تؤجّلها خوفًا من الجواب أو من غيابه؟
- إن كانت ملكةٌ غريبة عن شعب الله ستقوم يوم الدين وتدين جيل يسوع، فماذا يعني هذا لموقفك أنت اليوم ممن هو "أعظم من سليمان"؟
- أين ترى في حياتك أن معرفتك بالله تحوّلت إلى عادةٍ باردة بدل أن تكون رحلة اكتشافٍ حيّة؟

---

https://dewfall.app/ar/read/svd:11:10:1
